فهرس الكتاب

الصفحة 22950 من 29568

يكمن أساس الإشكالية هنا في هذا التطابق الهووي ما بين العقل العربي والثقافة العربية التي تشكل بنيته، تطابق تنعدم فيه الفجوة ويستحيل الانفصال، وبالتالي يستحيل معه سيلان زمان متحول، يتصالح مع الوجود الحي، وهذا التطابق ينتج بدوره زمنا مغتربا عن زمانيته، زمنا مستلبا داخل بنية ثقافية معيارية تقدس ما تسميه أصولا وثوابت، ولا تسمح بإمكانية الانفصال والبدء، وثقافة ترسخ لتبعية يغدو من خلالها الوجود الإنساني وجودا بالتبعية، وجودا لا يختبر إمكانيته في تجربة الحاضر، وإنما وجودا معنعنا، ومحكوما بتجربة السلف، أي خاضعا للتنميط الذي يبلغ أقصى درجاته في كل شكل من أشكال الحياة، بدءا من لغة الكائن وانتهاء بملبسه، وأسلوب حياته المثقلة بذاكرة تعيق تجربة الحاضر بما أنها ذاكرة يستحوذ عليها الماضي، ويعيق تعلقها بالحياة، مادام أن القيمة التي يعلي من شأنها هذا الماضي إنما تكمن في خبرة السلف، أي فيما ترسخ كمثال لصيغة وجود يحدد بطريقة معيارية ما ينبغي أن تكون عليه سيرة الموجود. ومعنى هذا بحسب الجابري أن بنية العقل الذي ينتمي إلى هذه الثقافة والتي تتشكل لاشعوريا داخل مفهومها للعالم، تعمل بكيفية لاشعورية كذلك على إعادة إنتاج هذه الثقافة نفسها. ومن ثمة فاللاشعور المعرفي العربي هو جملة المفاهيم والتصورات والأنشطة الذهنية التي تحدد نظرة الإنسان العربي -أي الفرد المنتمي للثقافة العربية- إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، والتي توجه بكيفية لاشعورية كذلك رؤاهم الفكرية والأخلاقية ونظرتهم على أنفسهم وغيرهم [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت