بشكل يبرز ما هو جوهري فيه [4] ، وانطلاقا من تحليله للأساس الإبستمولوجي للثقافة العربية التي أنتجت العقل العربي وكرست نزعته المعيارية، يخلص الجابري إلى نتيجة حاسمة وخطيرة في ذات الوقت، وهي أننا لم نخرج عن"العصر الجاهلي"بكل ما يتحدد به هذا العصر من عناصر بيئية: جغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية [5] .
ومعنى هذا في تأويلنا، أننا نعيش من غير حاضر، فالحاضر هو الغائب الأكبر في معادلة العقل العربي، أي أننا نعيش خارج دائرة الزمان الحي، فما يحيا ويعيش ليس كينونتنا الزمانية، وإنما هو ذلك الحاضر /الشاهد اللازمني، هو حاضر العصر الجاهلي الذي يحيا من خلالنا ويسكن ذواتنا. فنحن لا نفكر ولا نعيش وإنما تحضرنا تمثلات هذا الماضي الذي يجثم على حاضرنا ويتلف رغباته، ويدمر قدرته على الفعل وصناعة الحدث، فأقصى ما نفكر فيه هو استعادة أمجاد الماضي، رغم أن هذا الماضي يجثم على كل الحاضر.
يطرح الجابري سؤالا ماكرا: ماذا بقي ثابتا في الثقافة العربية منذ"الجاهلية"إلى اليوم؟ وهذا السؤال يخفي بدوره سؤالا مقموعا بتعبير الجابري هو: ماذا تغير في الثقافة العربية منذ الجاهلية إلى اليوم؟ لكن هذا السؤال يمكن قراءته هو الآخر بصيغة الاستفهام الإنكاري، وسيكون له من المشروعية أكثر مما للسؤال الأول. آية ذلك أننا نشعر جميعا بأن امرئ القيس وعمر بن كلثوم وعنترة ولبيد والنابغة وزهير بن أبي سلمى ... وابن عباس وعلي ابن أبي طالب ومالك وسيبويه والشافعي وابن حنبل ... والجاحظ والمبرد والأصمعي ... والأشعري والغزالي والجنيد وابن تيمية ... ومن قبله الطبري والمسعودي وابن الأثير ... والفارابي وابن