والتفكير، وإنما تحرير النقد والفكر عن الطريقة أي عن الإتباع، أي أن هدفهما هو التحفيز على الانفصال، ومن ثمة فإن الجابري والعروي لم يعيرا انتباها كبيرا للمحاولات النقدية، سواء تلك التي تدور في فلكهما لأنها لا تضيف شيئا جديدا، وإنما تكرس اتباعية جديدة، أو لتلك الأطاريح النقدية النقيضة، لأنها لا تفكر في أغلبها انطلاقا من مشاريع جديدة، وإنما تمارس النقد من خلال المقايسة، بل على العكس من ذلك كان اهتمامهما يلتفت إلى تجارب فكرية مغايرة من مختلف الأجيال، بنعبد العالي، سبيلا، المصباحي، يفوت، وقيدي، إدريس كثير، عبد الصمد الكباص، حسن أوزال وغيرهم. والغاية من هذا الالتفات هو تحرير الممارسة الفلسفية من التقليد، وجعلها مفتوحة ومنفتحة.
يقول الجابري في مقدمة تكوين العقل العربي:
"مشروعنا هادف إذن، فنحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي، والهدف: فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها ... ولعلها تفعل ذلك قريبا" [3] .
إذن ليس النقد الفلسفي للعقل غاية في حد ذاته، ولكنه ممارسة من أجل التحرر ليس من الموت بوصفه تجربة ميتافيزيقية، وإنما مما هو ميت يعيق حياة العقل ويحول دون فعاليته المسكونة بالموروث الثقافي الجامد، أي يحول دون أن يغدو وتجربة زمانية تكشف عن صيرورته، أي عن التغير الذي يصيره متجددا.
غاية الجابري إذن هي فسح المجال للحياة كي تستأنف دورتها في الكيان العقلي، ومعنى ذلك إرجاع الحياة إلى الفكر، إرجاع يسمح بإمكانية