وبالإضافة إلى نشاطه في التأليف عني الشيخ بتدريس الشعر والبيان والمنطق وسائر العلوم العقلية والنقلية سواء بمسجده أو ببيته حتى بلغ عدد طلبته عشرة آلاف نسمة.
هذه بإيجاز لمحة عن حياة ماء العينين العلمية والأدبية أو لنقل هذه السيرة التي خطها بيراعه على جبين المجد ناطقة بأنه عالم فذ لا تجود الأيام بمثله إلا فيما ندر، وأما السيرة التي كتبها بسيفه فلا تقل أهمية عن سابقتها وما كان لدولة العلم عنده أن ترفع هامتها لولا مدافعته عنها بالسيف، ويحدثنا التاريخ أن ضياع جملة من مؤلفاته كان بسبب إحراق المستعمر لمكتبته وقد يبدو للوهلة الأولى أن جهاده صرفه عن العلم والحق أنه لولا مواقفه البطولية ما كنا لنطلع على شيء من تراثه والدليل أنهم عمدوا إلى إزالة مآثره حين سنحت الفرصة لفعل ذلك.
حاول المستعمرون استمالة ماء العينين لما يعلمون من عظم مكانته في قبائل الصحراء فاستسلام الشيخ معناه أن الصحراء صارت طوع إرادتهم ومن مراسلات الإسبان معه تتضح أهمية استمالة الشيخ لصفهم.
جاء على لسان «غونز اليس» ممثل إسبانيا في إقليم واد الذهب في رسالة وجهها للشيخ ما نصه «وأؤكد أيضا بأنني حاضر لأفعل كل ما يرضيك وتحب ... ثم أخبرك وأثبت لك أن تجارة إسبانبا كلها بيدك وتحت أمرك في كل مكان وزمان» ومع أهمية الإغراءات التي عرضت عليه وجسامة المخاطر المترتبة عن معارضة إرادتهم فإن الشيخ رفض أن يكون ذنبا للاستعمار، ومثلما رفض عروض إسبانيا رفض عروض فرنسا لينطبق عليه بذلك شقا الرحى وليجد نفسه في مواجهة قوتين استعماريتين مدججتين بكل أنواع السلاح.