وحدث بفاس من سوء حظ قاضينا - وقلوب الفاسيين متغيرة عليه يومها - أن ابن أخ له غصب امرأة على الدخول إلى بيته فأبعد عن القضاء والإمامة بعد إقامة الحد على ابن أخيه وقتله، وقد أمر المنصور الموحدي السلمي أن يلحق به في مراكش حتى تستقر الأوضاع لما يعلمه من صفاء سريرته وطهارة ذيله، ثم أشخصه بعد ذلك إلى إشبيلية قاضيا، فمثله ممن لا غنى عنه في أعمال الدولة، فحمدت سيرته هناك وظل بإشبيلية إلى أن وافته المنية.
كان القاضي السلمي لين العريكة لا يستهويه الثأر لنفسه وإنما يكون غضبه للحق لا لشيء سواه وتلك لعمري صفة القاضي العادل الذي تستقيم به أحوال البلاد والعباد، ومن أخبار حلمه ما ساقه ابن عبد الملك في الذيل والتكملة من أن أبا العباس الجراوي الذي عرف بشدته وقسوته على مخالفيه نال منه في بعض أشعاره ورماه بالتخنث وبالغ في هجائه ومن قوله:
قينة في فاس تدعى عمرة
ذات حسن ودلال وخفر
نصف السن ولكن يرتجي
رد ما فات بتسويد الشعر
قل لها عني إذا لاقيتها
قولة تترك صدعا في الحجر
هبك كالخنساء في أشعارها أو كليلى هل تجارين الذكر؟
نبغت عمرة بنت ابن عمر
هذه - فاعتبروا- أم العبر