فهرس الكتاب

الصفحة 16644 من 29568

ورغم اجتراء أبي العباس على السلمي فإن أبا حفص «لسمو همته وعلو منصبه أعرض عنه ترفعا عن مقاولته وأنفة من الانحطاط إلى مشافهته» فما أبعد ما بينه وبين من يتخذ علو المنصب مطية لأذى الخلق واغتصاب حقوقهم، ونلمس في رده على الجراوي سموا أخلاقيا تقصر دون وصف معناه الأقلام، قال السلمي حين بلغه ذلك الهجاء: نهاني حلمي فما أظلم وعز مكاني فما أظلم

ولا بد من حاسد قلبه بنور مآثرنا مظلم

ومع كل ما صدر عن أبي العباس مما تقطع بسببه الأرحام وتنفصم معه عرى المحبة والوئام وتحل بقوله الحرب محل السلام، فقد استوهب القاضي نسخة كتاب في السيرة النبوية فريدة في بابها فوهبها له ولم يلتفت لإساءته فكان أبو العباس إذا سئل بعدها عن القاضي قال «ريحانة القضاة» .

ومن نوادر ما نقل الرواة في حضور بديهته وتوقد ذهنه أنه خرج ذات مرة مع شيخه أبي ذر النحوي في نزهة فأثرت الشمس في وجهه وكان وسيما فقال أبو ذر:

وسمتك الشمس يا عمر وسمة بالحسن تعتبر

فأجاز السلمي قائلا:

علمت قدر الذي صنعت فانثنت صفراء تعتذر

وإذا علمنا أنه أدرك هذه المكانة في تقريض الشعر في زمن الصبا تحقق لدينا أنه كان سيأتي في نظمه بالمعجزات في كبره لو ترك لحال سبيله ولم يتعرض للتضييق الذي تعرض له على أيدي خصومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت