عوراته، ويبدو أنه أوجد لهم على نفسه سبيلا بأشعاره وغزله، وقد يظن البعض أن كل تغزل إنما يقصد به التوصل إلى امرأة بعينها ولعلهم يضعون لهذه المرأة في خيالهم أوصافا مخصوصة تهوي بغزل تلك الثلة من ذوي الأحاسيس المرهفة إلى حضيض الجريمة ليسهل بعد ذلك الإنكار عليهم، فهي ولا شك (حسب أخيلتهم) لا تحل للمتغزل إذ لا يكون التشهي مع القدرة على النكاح، وحسبهم في ذلك أن يستدلوا بقول الشاعر:
ما الحب إلا قبلة و غمز كف و عضد
ما الحب إلا هكذا إن نكح الحب فسد
ومثل قاضينا كان ابن حجر العسقلاني بارعا في الغزل مع عفة وصيانة للجوارح عن الوقوع في الحرام ومخالفة لأهواء النفس وغيرهما جيش عرمرم من الفقهاء والمحدثين كانوا يطلقون الأعنة لألسنتهم ويلجمون جوارحهم عن الزلل
وما كان أقوى سلطان أولئك المتزمتة الذين ألجؤوا أبا عنان المريني نفسه للتغزل خفية في جلسات ممتعة مع لسان الدين بن الخطيب، لم يكن غزل السلمي مجونا ولكنه ترويح مقبول عن النفس لم تقبله عقول أعدائه ومن بديع نظمه في هذا الباب:
لها ردف تعلق من لطيف
و ذاك الردف لي و لها ظلوم
يعذبني إذا فكرت فيه و يتبعها إذا رامت تقوم
وحسب سامعه أن يعلم أن ابن سعيد عده من كنوز المعاني فما يعنينا بعد ذلك أن يعده أعداؤه من خوارم المروءة.