ونجده في حال أخرى يدرس التفسير على أخصائيين من رجال الشرق تطلعا منه إلى الطريقة التي يسلكها المفسرون وفي تناول الآية الكريمة، وتحليل مفرداتها، ومعرفة ما تحمله فقراتها من معان قصد التوصل إلى إدراك المدلول الكلي للفاصلة القرآنية وما يجلب للبيان والإيضاح من نفس الكتاب أو السنة، ثم ما ينتج عن ذلك من استنباط واستفادة يلهمهما فقهاء النفس وأحرار التفكير الذين يستخدمون العلم مطبقين كلياته الأساسية لاستكمال لذة المعرفة، صادقين عن ترك القضايا جامدة خمة في الأذهان.
فأي قيمة يا ترى لقواعد العلوم يصرف الطالب في أخذها حقبا ليست بالقصيرة يضعها في زاوية الإهمال قانعا بمعرفتها معرفة سطحية غير عاملة.
فالمترجم التادلي في مراحل حياته العلمية يعد في الرعيل السابق لميدان الكفاح الثقافي الصحيح فلا تلفيه إلا واثبا وثبات نادرة لا يلوي فيها على غير الدراسة -من المغرب إلى الشرق ثم منه إلى أوربا يبحث علومها- ولغاتها فهو إذ حل باسبانيا طفق لوقته يشتغل بأخذ اللغات الأجنبية من فرنسية وانجليزية وتركية وفارسية وبربرية كاتبا حولها شارحا ما تحتويه تراكيبها من علم وفن وجمال، وليس في استطاعة أي مثقف أن يخرق هذا المسلك الوعر ويسلك مناهجه الشائكة دون أن يتوفر على مبادئ اللغة ويحذق مراميها تركيبا وذوقا ولو في إلمام قريب بمد لولات الألفاظ العلمية والاصطلاحية، في هذا الظرف الحاسم يرمي به ولوعه الخاص وقد ساعدته مذاهبه الخاصة إلى خوض غمار اللسان الغريب مستعذبا مشاق البحث الثقيلة في سبيل الوصول إلى غريب العلوم والفنون بواسطة اللغة، وليس هذا ببدع فإن الجهود الصادقة لا تكذب -فكم