اما سياسته في جبر الخواطر، و جلب القلوب و ائتلاف الشارد، و تسكين المرتاب و ارضاء الولي و مجاراة العدو، و الدفاع بالتي هي احسن عند اشتباه الامور، و معاناة الرجال بوجوه المكائد و الحيل في الامور التي لا ينفع فيها الحرب و لا القوة، فشيء لا يبلغ فيه شأوه، و لا يشق غباره.
اما عاداته في الحروب فقد اخذ فيها بسيرة العجم، بحيث لا يباشر الحروب بنفسه، و يعمل بعمل اهل الصدر الاول، فيقف في قلب الجيش كالجبل الراسي، و امراؤه يباشرون الحروب ميمنة و ميسرة، وهو رديء لهم كلما رأى فرجة سدها او خللا اصلحه، وهو كالصقر مطل على حومة الوغى فاذا امكنته فرصة انتهزها.
اما جمعه لاشتات العلوم فلقد كان وارثا من ورثة الانبياء، حاملا للواء الشريعة جامعا مانعا اذا بوحث في الاخبار كان كجامع سفيان، او في الاشعار فكنابغة ذبيان، او في الفنة و الفراسة، فكااياس، او في النجدة و الراي كالمهلب، و اذا خاض في السنة و الكتاب ابدى ملكة مالك و ابن شهاب، و او تصدى في الفقه للفتوى و التدريس لم يشك سامعه انه ابن القاسم او ابن ادريس، و اذا تكلم في علوم القران انهل بما يغمر مورد الظمآن.
قال صاحب البستان و لا يعرف مقدار هذا السلطان الا من تغرب عن الاوطان، و حمل عصا التسيار، و رمت به في الاقطار الاسفار، و شاهد سيرة الملوك في العباد، و ما عمت به البلوى في سائر البلاد، و لا يتححق اهل المغرب في عدله الا بعد مغيبه و فقده!
المرء ما دام حيا يستهان به
و يعظم الرزء فيه حين يفتقد