لقد تنافس الناس في اقتناء العلوم و انتحال صناعتها لاعتزاز العلم و اهله في دولته و سعة ارزاقهم.
و اما صبره على الشدائد و احتمال العظائم و تجلده عند حلول الخطب و نزول المقدور فحدث عن البحر و لا حرج و عن الجبل سكونا، و رسوخ قدم.
قال صاحب البستان: لو حدثنا بما شاهدناه منه لكان عجبا، اما العدل فكان ما ريء في ملوك عصره اعدل منه، و من عجيب سيرته انه كان يلزم العمال برد ما يقبضونه من الرعايا على وجه الظلم، من غير اقامة بينة عليهم على ما جرى به عمل الفقراء من قلب الحكم على الظلمة و اهل الجور حسب ما ذكره الونشريسي و غيره، و من عدله ما حكاه لنا الفقيه ابو العباس احمد بن المكي الزواوي المؤقت بالمسجد الاعظم بسلا قال: مر السلطان مولاي سليمان بسلا سنة ست و ثلاثين و مائتين و الف، فنزل برأس الماء، و استدعاني للقيام بوظيفة التوقيت عنده، قال: فدخلت عليه فاذا هو رجل طويل ابيض جميل الصورة، ففاوضني في مسائل من التوقيت، و كان يحسنه، فاجبته عنها، فاعجبه ذلك، ثم وصلني بضبلونين و اخرج مجانته من جيبه ليحققا فرأيت مجدولها من صوف، ثم حضرت صلاة العصر، فتقدم وصلى بنا فرايت سراويله مرقعة! و عقب الصلاة رجعنا لمنازلنا فجيء بالطعام، وهو قصعة من الكسكس عليها شيء من اللحم و الخضرة، و ليس معها غيرها. و كانت عادته في السفر الا يتخذ"كشينة"أي مطبخا انما هو طعام يسير يصنع له، و لبعض الخواص مما يكفي من غير اسراف، حتى ان الكتاب كانوا يقبضون شت"موزونات"و يعولون انفسهم.