وأثناء حياتي المديدة وسفرياتي العديدة، و مخالطتي لأجناس و أقوام، تكونت لدي فكرة عن طباع الناس ونمط تفكيرهم وطريقة تصرفهم، و كونت صداقات مع أناس كثيرين، فمنهم المفكر و الحاكم ر والتاجر و الكاهن و غيرهم من أصحاب الحرف الأخرى. و كانوا من بلاد مختلفة، من الإسكندرية و قرطاج، وفينيقية وكورنثوس، وروما ومالطا، و ليبية وليكسوس، وغيرها من سائر البلاد. و خرجت بخلاصات وآستنتاجات عديدة، و لعل أهم خلاصة شدت اتباهي، والتي يجدر بي أن أبوح بها و أنا في كامل نضجي بعيدا عن حماس الشباب وتسرع العاطفة، لأننا نحن معشر الشيوخ المغامرين، الذين نذروا حياتهم للترحال والتجوال، غالبا ما تكون أحكامنا سديدة و صائبة.
لم أر في حياتي شعبا كريما مضيافا كشعب تامازغا العظيم، فما أن تحل ضيفا على أحدهم حتى يهب لخدمتك بكل همته وحماسه، وكامل فرحته وسعادته، وقد يبيع المضيف كل ما يملك لإرضاء الضيف و راحة الغريب. ولم أر أرضا ينصهر فيها الغريب الوافد مع أبناء البلد بتلقائية غريبة وسرعة مذهلة كما هو الشأن بأرض تامازغا، فما أن يهم الوافد على اتخاذ هذه الربوع موطنا له و مقاما حتى يتطبع بطباع أهلها، ويتخلق بخصال أبنائها فيصير فردا منهم له ما لهم وعليه ما عليهم، هذه حقيقة أقولها بضمير حي، وذهن متبصر بعيدا عن كل انفعال جارف و آنحياز خاطئ.