فهرس الكتاب

الصفحة 12409 من 29568

و دقة تتعدى الخيال، فأتت أجزاؤها متناسقة متناغمة تبهر العين بروعتها وتسلب العقل برونقها، فتخالها عذراء فاتنة تتهادى تيها ودلالا في آنسيابها و طوافها، وكعروس في كامل زينتها تترقب بشوق و لهفة ليلة عرسها و فرحتها.

نعم هكذا كانت عروس البحر، فدفتها كانت تسعف راحة اليد فتنقاد بسلاسة متناهية وسط الأمواج، و سواريها المصنوعة من خشب الأرز ممشوقة لا يشوبها آعوجاج، و قمرتها تبعث في النفس راحة غريبة و إحساس بالمتعة لتقصي المجهول وآكتشاف المستور، و أشرعتها مصنوعة من القماش الجيد الذي يقاوم الأنواء و أعاصير البحر، طابقها السفلي مقسم لغرف كثيرة قصد آستعمالات عدة، أما طاقمها فمن فريق في غاية التمرس و المهارة في شؤون البحر و الملاحة.

أما اليوم و قد صارت العتيقة غير قادرة على سبر أغوار البحر، فقد آنزوت بمكان منعزل في الميناء، وحيدة تتحسر على الماضي التليد، و ترثي أياما خوالي كانت لها فيها صولات وجولات، فهي اليوم ترقب الصيادين العائدين محملين بما يجود به البحر، و تناجي نجوم الليل التي طالما كانت لها هاديا ومؤنسا طوال تر حالها وتجوالها.

نعم ... لقد رست العتيقة إلى الأبد وجعلت منها نوارس البحر أوكارا لفراخها، واتخذت منها الطيور المهاجرة محطة لاسترجاع أنفاسها، قبل أن تحلق في العلياء لتكمل رحلتها إلى ما وراء قرطاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت