بعلمها الغزير وأدبها الرفيع، والذي يدعونا إلى هذا الظن أن القصر ولا شك كان يضم بين أرجائه يومها العشرات من الكواعب الحسان فما الذي قدمها وأخرهن إن لم يكن حسن الخلق ورجاحة العقل؟ لم تذب خناثة في حياتها الجديدة كلية كما يفترض أن يحدث مع نساء كثيرات شهدن تلك الطفرة العظيمة التي شهدتها حين انتقلت من مقام الخمول إلى مقام الحل والعقد، ومرد ذلك ولا شك إلى تربيتها القرآنية، فهذه العالمة الفاضلة سيسجل التاريخ أنها أقدمت في مواطن يحجم فيها أشد الرجال بأسا، ونشير هنا إلى أن السلطان إسماعيل غضب على أحد أقاربها وهم به فاحتالت في إبعاده عن القصر حفاظا على حياته وهي تدرك أن شرة غضب السلطان قد تصيبها بأشد أنواع الأذى، فهو الذي حصد اثني عشر ألف رأس من كروان وأمر قادته فحملوا إليه رؤوسهم ليشفي منهم غل صدره، وهو الذي ضيق على اليوسي العالم الجليل حتى قيل أن له يدا في قتله، وهو الذي سام العالم الفقيه محمد بن عبد السلام بن حمدون سوء العذاب وأوعز إلى أتباعه باغتياله، وهو الذي قطع أطراف ولده وفلذة كبده محمد العالم من خلاف فكان في ذلك هلاكه، فأي قوة تحمل هذه المرأة العظيمة على الوقوف في وجه مبتغاه؟ إن خناثة لم تكن واحدة كباقي حريم السلطان تقف حياتها على تنفيذ رغباته وتجهد نفسها في منافسة بقية النساء على الظفر بحظوته، بل كان لها دور عظيم في الحياة السياسية في عصرها، حتى وصفها الملك الفرنسي لويس الخامس عشر بالسلطانة العظيمة، وتصل رحلتنا في رحاب سيرة هذه المرأة الفاضلة إلى ذروة إثارتها ونحن نشاهدها تسعى في تثبيت اتفاقية للسلام والتجارة بين المغرب وانجلترا وحين نطلع على مراسلاتها مع السفير شارل