على غرار التجار والحرفيين والدباغة والدرازة والخرازة، كان شيوخ الملحون، مولعين ب» النزاهة» عند كل ربيع، وعادة ما كانوا يحلون ضيوفا على الأوائل ويقيمون سهرات «الدباغة» أصحاب الكباحي في ظل اصطفاف جميل على إيقاع التصفيق والتطبيل، خاصة في اللويزات ولمطة وجنانات باب الحديد.
ويحكى أن قصة طريفة لشعراء الملحون كانوا في نزهة ذات يوم، يقودهم شيخ الأشياخ الأكبر سنا في النظامة، وأمين الحرفة، لما كانت منظمة وقائمة الذات يعين على رأسها أمين على يد المحتسب، الذي يفصل في الجدال الذي قد يقع بين الشيوخ والمنشدين ومقيمي الحفلات.
كل واحد منهم تكلف بإحضار «زرزاي» أي «طالب معاشو» ، لإحضار «الميدا» (آنية الأكل الخشبية المغطاة ب» المكب» المصنوع من الدوم) ، من منزله، إذ كلهم أحضروا «الميادي» ، بما في ذلك محمد بنسليمان أصغر شعراء الملحون، الذي أحضر ميدة «مطيبة بالمقلي» وزاد فيها «الحرور والمزاود» .
هو طبق شهي النظرة، لكن لا أحد من الشعراء تشجع على التهامه لذوقه «الحار» ، حينها خاطبوه بالقول «كلامك شليمان، وجبتي الماكلة شليمان» ، و» كلامك حار بحال ماكتلك»، فيما زار محمد بنعلي العمراني، الشاعر الأعزب، الشماعين واكترى «ميدة» ملأها بالفاكهة اليابسة.
اختار كميات مختلفة من التمر واللوز والجوز و» الشريحة»، وكلف «زرزايا» لنقلها إلى موقع النزاهة، فكانت الكلام الذي قيل فيه أفضل مما قيل في زميله بنسليمان، إذ دعا له الشعراء قائلين أن «انت وكلامك فاكهة، وجبت للأشياخ فاكهة» ، قبل أن يسموه ب» المعلم».