اعتاد السلاطين في كل عيد ومناسبة دينية، على إقامة مجالس للشعراء في المشور السعيد، ينظم كل واحد منهم، فيها قصائد شعرية مرتجلة وعفوية باللغة العربية. وفي ذات عيد حلوا بالقصر، وتلا كل منهم قصيدته، طمعا في الرضى ومكافأة مالية أو عينية، توازي قيمة المجهود المبذول لنظم الكلام.
في ذاك اليوم كان بينهم رجل غير مألوف المشاهدة. لقد انتعل"صندالة" (نعالة) والتف في"بونداف"الجلبات الصوفية القصيرة الصالحة للصيف والشتاء، واضعا رزة (عمامة) فوق رأسه .. لا أحد منهم ارتاح لمظهره ولسر حضوره بينهم، خاصة بعد إلقائه قصيدة عامية اللهجة، في حق الملك.
أكرم السلطان، ذاك الرجل الغريب، ومكنه من هبة مالية وعينية، بشكل وازى مجموع ما حصل عليه بقية شعراء العربية الحاضرين صباح العيد بقصره العامر، من مكافآت .. ما أثار استفسارهم وهم الذين اجتهدوا في نظم قصائد في المديد والبحرين الطويل والقصير، وإبادع القوافي وحسن وزنها.
"أنتم أعزاء على قلبي .. لكن لغة بلادي، أعز من كل شيء. هذا مدحني بلغتي".. ذاك رد السلطان على استفسار الشعراء حول سر مجازاة هذا الشاعر الوافد من البادية الذي تلا شعر الملحون في حضرة الملك، بنفس قيمة ما جازاهم جميعا. تلك قصة رواها السوسي لتأكيد احترام هذا الفن.
كان الشاعر التهامي المدغري، ضمن الحضور. ومن حينها أصبح لا يكتب إلا شعر الملحون، إلى حد تلقيبه ب"أمير شعراء الملحون"، قبل أن ينسج