ودعنا -لنرى كيف نحيا بهذه العقيدة- نستمع إلى الإمام أحمد وقد دخل عليه رجل فقال:عظني يا إمام، فقال له:إن كان الله قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا؟ وإن كانت النار حقا فالمعصية لماذا؟ وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنية لماذا؟ وإن كان الحساب حقًا فالجمع لماذا ؟ وإن كان كل شيء بقضاء الله وقدره فالخوف لماذا؟ وإن كان سؤال منكر ونكير حقًا فالأنس لماذا؟ فخرج الرجل من عند الإمام، وعاهد نفسه أن يرضى بقضاء الله وقدره. (1)
وكم يهزٌّ في النفس موقف الشيخ سعيد الحلبي أمام الوالي التركي إبراهيم باشا صاحب الجاه والسلطان، عندما دخل الوالي إبراهيم المسجد بقى الشيخ سعيد جالسا مادًا رجله، وأقبل الناس جميعا يحيون ويصافحون الوالي، ووقف إبراهيم باشا طويلا أمام الشيخ سعيد الذي لم يقبض رجله، وسار وهو يغلي غيظا وقد استشاط غضبا، فأخذ صرة من النقود وقال لحاجبه:ادفعها للشيخ، فعندما وضعت في حجر الشيخ سعيد قال للحاجب: (قل لسيدك:إنَّ الذي يمدُّ رجلَه لا يمدُّ يده) ،لأنَّه أكبر من أن يأخذ شيئًا من الدنيا، ولذلك ليس في فمه ماء إذا رأى الخطأ قال:خطأ ولا يبالي؛ لأنَّه لن يخسر شيئًا. (2)
5-العزة والتواضع:
مثلما تبعث العقيدة الإسلامية في النفس قوة العزم والشجاعة والإقدام، فإنَّها تبعث فيها أيضًا شعورًا متأججًا بالعزة المستمدة من الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) المنافقون:8، فهذه العزة هي التي أطلقت لسان الشاعر المسلم خبيب بن عدي:
ولست أبالي حين أُقتَلُ مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
(1) - أنظر إملاءات في العقيدة للدكتور محمد أمين المصري، دمشق، ص71. العقيدة وأثرها في بناء الجيل:الدكتور عبد عزام ص 20.
(2) - العقيدة وأثرها في بناء الجيل:الدكتور عبد عزام ص 20.