وقال الشيخ العثيمين: (الإيمان والتوحيد شيئان متغايران وشيئان متفقان، فالتوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ولهذا قال العلماء رحمهم الله إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وأن هذه الأقسام جاءت في قول تعالى(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم/ 65) ، فقوله (رب السماوات والأرض وما بينهما) يعني توحيد الربوبية، وقوله (فاعبده واصطبر لعبادته) يعني توحيد الألوهية، وقوله (هل تعلم له سميا) يعني توحيد الأسماء والصفات).
و (الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وعلى هذا فالموحد لله مؤمن به والمؤمن بالله موحد له لكن قد يحصل خلل في التوحيد أو في الإيمان فينقصان ولهذا كان القول الراجح أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص في حقيقته وفي آثاره ومقتضياته فالإنسان يجد من قلبه أحيانًا طمأنينة بالغة كأنما يشاهد الغائب الذي كان يؤمن به وأحيانًا يحصل له شيء من قلة هذا اليقين الكامل وإذّا شئت أن تعرف أن اليقين يتفاوت فاقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة /260) كما أنه أيضا يزيد بآثاره ومقتضياته فإن الإنسان كلما ازداد عملا صالحا ازداد إيمانه حتى يكون من المؤمنين الخلص). [1]
وقال:(التوحيد: هو إفراد الله عز وجل بما يختص به ويجب له. والإيمان: هو التصديق المتضمن للقبول والإذعان. وبينهما عموم وخصوص فكل موحد مؤمن وكل مؤمن موحد بالمعنى العام.
ولكن أحيانًا يكون التوحيد أخص من الإيمان، والإيمان أخص من التوحيد. والله أعلم). [2]
تفاضل الناس في التوحيد والإيمان
(الناس يتفاضلون في التوحيد، تفاضلا عظيما، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض. فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، ومنهم من يدخل النار، وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان؛ وهم في ذلك متفاوتون، كما في الحديث الصحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه من الخير ما يزن برة) [3] وفي لفظ: (شعيرة) ، وفي لفظ: (ذرة) ، وفي لفظ: (حبة خردل من إيمان) [4] . ومن تأمل النصوص، تبين له أن الناس يتفاضلون في التوحيد والإيمان، تفاضلا عظيما، وذلك بحسب ما في قلوبهم من الإيمان بالله، والمعرفة الصادقة، والإخلاص، واليقين، والله أعلم). [5]
عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: (عرضت علي الأمم بالموسم فرأيت أمتي فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم قد ملأوا السهل والجبل فقال: يا محمد أرضيت؟ قلت: نعم أي رب قال: ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) فقال عكاشة: ادع
(1) فتاوى نور على الدرب / السؤال 315، الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى: نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة الاصدار 3.48.
(2) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين/ ج 1 - العقيدة - التوحيد - المسألة (2) ، نسخة الكترونية، المكتبة الشاملة الإصدار 3.1.
(3) البخاري: الإيمان (44) , ومسلم: الإيمان (193) , والترمذي: صفة جهنم (2593) , وابن ماجه: الزهد (4312) , وأحمد (3/ 173 ,3/ 276) .
(4) البخاري: الإيمان (22) , وأحمد (3/ 56) . قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله و كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله و كان في قلبه من الخير ما يزن برة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله و كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة) . الحديث رواه الشيخان والامام احمد في المسند والترمذي والنسائي عن انس، وانظر الحديث في الجامع الصغير للشيخ الألباني/ 8061.
(5) الدرر السنية في الأجوبة النجدية / علماء نجد الأعلام - تحقبق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة السادسة، 1417 هـ/1996 م. 1/ 207.