نادى في الظلمات: (أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الانبياء/87) ، قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء/88) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله بها كربه) [1] . وجماع ذلك أنه لا بدّ له في الأمر من أصلين، ولا بدّ له في القدر من أصلين، ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علما وعملا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، وتعديه الحدود.
ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا [2] ، وقد قال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) (آل عمران/17) ، فقاموا الليل ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ? وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ? فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر/1 - 3) ، وفي الحديث الصحيح أنه كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) يتأول القرآن [3] .
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدَّر عليه). [4]
اختلاف مدلولات الإيمان والتوحيد والعقيدة
الإيمان والتوحيد والعقيدة أسماء لمسميات تختلف في مدلولاتها بعض الاختلاف، ولكنها ترجع إلى شيء واحد.(التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والإيمان هو الإيمان بأنه مستحق للعبادة، والإيمان بكل ما أخبر به سبحانه، فهو أشمل من كلمة التوحيد، التي هي مصدر وحد يوحد، يعني أفرد الله بالعبادة وخصه بها؛ لإيمانه بأنه سبحانه هو المستحق لها؛ لأنه الخلاق؛ لأنه الرزاق؛ ولأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه مدبر الأمور والمتصرف فيها، فهو المستحق للعبادة، فالتوحيد هو إفراده بالعبادة ونفيها عما سواه، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، والعقيدة تشمل الأمرين، فالعقيدة تشمل التوحيد، وتشمل الإيمان بالله وبما أخبر به سبحانه أو أخبر به رسوله، والإيمان بأسمائه وصفاته.
والعقيدة: هي ما يعتقده الإنسان بقلبه ويراه عقيدة يدين الله بها ويتعبده بها، فيدخل فيها كل ما يعتقده من توحيد الله والإيمان بأنه الخلاق الرزاق وبأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، والإيمان بأنه لا يصلح للعبادة سواه، والإيمان بأنه حرم كذا وأوجب كذا وشرع كذا ونهى عن كذا، فهي أشمل). [5]
(1) قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته/3383: (دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) . (صحيح) رواه الامام احمد في المسند والترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والضياء عن سعد. وهو في الكلم 122، والترغيب 2/ 275 و 3/ 43.
(2) قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته/4688: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) . (صحيح) رواه الامام احمد في المسند ومسلم في صحيحه والاربعة عن ثوبان.
(3) رواه ابن حبان في صحيحه، وعلق الشيخ الالباني عليه في التعليقات الحسان/1926: صحيح. وهو في صحيح ابي داود/821، ورواه الشيخان. قلت: وأنظر، للشيخ الالباني: الصحيحة/2084، وأصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم/4، الناشر مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الأولى 1427 هـ - 2006 م، 2/ص 660 وما بعدها. (3 مجلدات في ترقيم مسلسل واحد) .
(4) التدمرية تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع/ شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق د. محمد بن عودة السعوي، الناشر مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة السادسة 1421 هـ / 2000 م، 1/ 226 - 229
(5) مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (المتوفى 1420 هـ) ، أشرف على جمعه وطبعه محمد بن سعد الشويعر، 6/ 217 - 218.