عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: (فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّوْحِيدِ(لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ) . (وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال: قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا(وفي رواية: فتشرفنا) فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه قوله ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي تحمل قدحًا فيه ماء ومنديلًا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه إليها فقال: (يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا) ، قلت: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته).). [1]
منزلة علم التوحيد
(إن منزلة علم التوحيد عظيمة، ومما يدل على شرف هذا العلم:
أولًا: أنه أول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما من نبي إلا قال لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (المؤمنون / 23) ، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) (الأعراف / 85) ، (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف /73) .
ثم إنه أول واجب على المكلف، فأول ما يجب على المكلف هو توحيد الله تعالى، بل هو أول ما يدخل به الإنسان إلى الإسلام، فلا يدخل الإنسان إلى الإسلام إلا بتوحيد الله تعالى، ولذلك نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) [2] بدأ بقضية التوحيد، مما يدل على عظم منزلته، وأنه أول ما يدخل به الإنسان إلى الإسلام.
قالوا: إنه أول منازل الطريق والسير إلى الله تعالى، ومن سار إلى الله بغير توحيد فلن يعرف الطريق ولم يسر إلى الله حق السير.
ثانيًا: ومن منزلة التوحيد كذلك أنه الحياة لكل إنسان، ولا حياة للمسلم أبدًا إلا بتوحيد الله تعالى، والله قد ذكره في كتابه: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام:122) أي حياة تلك إلا بوقور لا إله إلا الله في قلبه، والعمل بمقتضاه، مما يدل على أن للتوحيد منازل عليا.
ثالثًا: ومن منزلة التوحيد أنه جعل نورًا يضيء القلوب (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ) (الشورى:52) وأعظم ما يُهدى إليه الإنسان وينور قلبه به هو توحيد الله تعالى، ولذلك تعتبر قلوب أهل الكفر والشرك مظلمة، أما قلوب أهل الإيمان والتوحيد مضاءة أشد من ضوء الشمس؛ لأنهم يبصرون بتوحيد الله تعالى، ويحصل لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
رابعًا: ومن منزلة التوحيد أن الإنسان لا يستغني عنه طرفة عين، وسبحان ربي! إن الإنسان ليتأمل الصلوات، يصلي الفجر وليس علينا صلاة بعدها إلا وقت الظهر وهكذا، والصيام يمر في العام مرة، والحج وهكذا العبادات، لكن توحيد الله لا نستغني عنه طرفة عين، فما نقول: هذا الوقت ليس عندنا توحيد فيه ولا نحتاج إليه أبدًا، بل يصبح التوحيد مع الإنسان منذ أن يدخل في دين الله تعالى إلى أن يودع هذه الدنيا وتوحيد الله معه كاملًا.
خامسًا: ومن منزلة التوحيد أنه آخر ما يودع به الإنسان الدنيا، ولقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) [3] دل على أن بدايتك توحيد ونهايتك توحيد، بل كل أجزاء حياتك هي توحيدٌ لله تعالى، وأعظم دليل على ذلك قول الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 1/ 245/ 2، وابن عساكر في تاريخ دمشق 4/ 46 - 1/ 243 - 1، والزيادات له، وقال: رواه البخاري في: التاريخ مختصرًا، وأبو زرعة، وقال: هذا الحديث صحيح. إهـ نقلا عن: جلباب المرأة المسلمة / الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى 1420 هـ) ، الناشر دار السلام للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1423 هـ -2002 م، ص 79.
(2) صحيح البخاري/392، صحيح مسلم/20 و 21.
(3) سنن أبي داود/ 3116 عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.) ، وصححه الشيخ الألباني في سنن أبي داود.