الصفحة 29 من 54

قال أبو محمد كاتب هذه السطور-: قد كان جولدزيهر اليهودي المستشرق أكثر إنصافًا من بوهندي، فإنه زعم أن هذه الكرامة وضعها العامة ليرفعوا بها من قيمة أبي هريرة (88) . و أما بوهندي فزعم أن أبا هريرة رضي الله عنه هو الذي افتراها، (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) .

و أما قوله إنه من المستحيل أن يُقْدِم أبو هريرة على بسط ثوبه و يُحْجِم بقية الصحابة، فيقال: كلا، فلا عجب و لا استحالة في ذلك، و لهذا نظائر عدة في مواقف أشد من هذه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ سيفًا يوم أحد فقال:"من يأخذ مني هذا؟"فبسطوا أيديهم، كل إنسان يقول: أنا، أنا، قال:"فمن يأخذه بحقه؟". قال فأحجم القوم، فقال سِماك بن خرشة -أبو دجانة-: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين (89) .

و أشد من ذلك ما حدث يوم الأحزاب، فعن محمد بن كعب القرظي قال:"قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و صحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: و الله كنا نجتهد، قال: و الله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض و لجعلناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي، و الله لقد رأيتُنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق، و صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل هُويا، ثم التفت إلينا فقال:"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشترط له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يرجع أدخله الله الجنة"، فما قام رجل، ثم قال في المرة الثانية:"أن يكون رفيقي في الجنة"، فما قام رجل من القوم مع شدة الخوف و شدة الجوع و شدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"الحديث (90) .

( 88) "السنة و مكانتها في التشريع" ( ص 272) لمصطفى السباعي.

( 89) رواه أحمد ( 3/123) و مسلم ( 2470) و الحاكم ( 3/230) .

( 90) رواه أحمد ( 5/392) و مسلم ( 1788) و الحاكم ( 3/31) و قال: صحيح الإسناد و وافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت