فقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في » المستدرك على الصحيحين « من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:"كنت أنا و أبو هريرة و آخر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"ادعو". فدعوت أنا و صاحبي و أمن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثم دعى أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، و أسألك علمًا لا ينسى، فأمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: و نحن كذلك يا رسول الله، فقال:"سبقكما الغلام الدوسي" (86) ."
و هذا الحديث ذكره الحافظ في » الفتح « (1/285) و سكت عنه، و هو أيضًا في » السنن الكبرى « للنسائي بسند جيد في كتاب العلم.
و ثالثًا: هب أن أحدًا لم يذكر هذه الكرامة غير أبي هريرة رضي الله عنه، فقد ثبتت كثير من القصص عن جمع من الناس لم تُعلم إلا من طريقهم، و لمَّا تلقاها الناس بالقبول علمنا صدقهم فيما رووا، و كذلك الحال مع أبي هريرة رضي الله عنه، فقد وردت هذه القصة عنه بروايات كثيرة عن جماعة من التابعين، و ما علمنا أحدًا كذبها و لا أنكرها، بل ما زالوا يذكرونها في مناقبه و يردون بها على من سأل من التابعين عن سبب كثرة روايته.
و الدليل على صدق أبي هريرة في تلك القصة واقع الحال فقد روى حماد بن زيد: حدثني عمرو بن عبَيد الأنصاري: حدثني أبو الزعيزعة - كاتب مروان، أن مروان أرسل إلى أبي هريرة، فجعل يسأله، و أجلسني خلف السرير، و أنا أكتب، حتى إذا كان رأس الحول دعا به، فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد و لا نقص، و لا قدم و لا أخر.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى:"هكذا فليكن الحفظ" (87) .
( 86) "المستدرك"كتاب"معرفة الصحابة" ( 6158) ، و فيه حماد بن شعيب و هو ضعيف، لكن تابعه الفضل بن علاء و هو صدوق فصح بذلك الحديث ولله الحمد.
( 87) "سير أعلام النبلاء" ( 4/187) و الأثر أخرجه الحاكم في"المستدرك" ( 6164) و صححه و أقره الذهبي.