و في كل هذا لم يشعر الصحابة بغضاضة أو حرج لأن هدفهم جميعًا واحد، و هو تطبيق الشرع، و ما كان الصحابة يكذب بعضهم بعضًا، إلاَّ أن من جاء بعدهم من أهل الأهواء الذين استغلوا ما دار بين الصحابة من نقاش علمي، أو تثبت في الحديث و جعلوا منه مادة ينفذون من خلالها لمآربهم. و ما من حادثة و نعت لأبي هريرة مع أمنا عائشة رضي الله عنها إلاَّ بين العلماء وجه الحق فيها، و لم يروا في عائشة موقف المكذب لأبي هريرة، و لم يفهم أحد فيما دار بينهما أن أبا هريرة كذاب يتهمه الصحابة في صدقه و علمه، إلاَّ ما كان من أعداء السنة، أهل البدع و الأهواء (75) .
و قد تقدم معنا بعض الروايات التي تشهد فيها عائشة بصدق أبي هريرة و تبين أنها إنما تنكر سرده للحديث و طريقة حكايته.
و قد كان بين عائشة و أبي هريرة من الود و الاحترام و التقدير ما هو معلوم في سيرتهما، و يكفي أنه هو الذي صلى عليها بعدما توفيت رضي الله عنها (76) .
و أما مقارنة هذا الجاهل أحاديث أبي هريرة ذات الطابع العجائبي بزعمه مع أحاديث السيدة عائشة العلمية، فهذا من فرط ضلاله و رده السنة بالهوى و الرأي، و ما أحوجه أن يصنع به ما صنع عمر رضي الله عنه بصبيغ العراقي لما جعل يناقش معاني القرآن بالهوى (77) .
و نحن لا نستبعد أن يخرج علينا هذا الرجل بكتاب آخر عنوانه »أكثرت عائشة«؛ فإنها من المكثرات رضي الله عنها، فيعمد إلى ما كتبه عنها أسياده من الرافضة لعنهم الله فيجمعه كما فعل في هذا الكتاب الخبيث، و إلاَّ فنحن نعلم أنه لا يهمه لا أبو هريرة و لا عائشة، إنما همه هدم السنة كلها، و هيهات فقد فشل في ذلك كبار أئمة الضلال الذين مروا في التاريخ فبقيت السنة صامدة محفوظة بحفظ الله، و ذهب الضالون و الزنادقة مقبوحين ملعونين على لسان كل مخلص صادق
( 75) انظر: 'السنة قبل التدوين' ( ص.46) و"أبو هريرة رواية الإسلام"فقرة ( أبو هريرة و عائشة) لمحمد عجاج الخطيب.
( 76) "الاستيعاب" ( 4/1885 ) ..
( 77) انظر"الشريعة"للآجري ( 143 ، 144) .