على أن أبا هريرة يقول إنه كان يحضر ما لا يحضر غيره و هذا عام في كل موقف و اجتماع و أمر يفعله الحبيب المصطفى، و نحن نعلم بعض العلماء المجاهدين و غيرهم و لهم أصحاب لازموهم في الحل و الترحال حتى أضحوا يعلمون عنهم ما لا يعلمه نساؤهم و أبناؤهم، و لكن بوهندي لما حُرم صحبة العلماء، و كان قصارى علمه الصحف و شهادات الزور لم يتقبل عقله القاصر هذا فصار يرد الأمورالبينة و قديمًا قيل:"إنكار الواضحات من الفاضحات".
مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
عقد الخبيث فصلًا يتدخل فيه لينافح بزعمه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و ادعى أن أبا هريرة قلل أدبه عليها.
فقد افتتح الفصل بأثر ابن سعد عن سعيد بن العاص الأموي قال: قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لتحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا ما سمعته منه فقال أبو هريرة: يا أمَّه طلبتها و شغلك عنها المرآة و المكحلة، و ما كان يشغلني عنها شئ.
و في رواية قالت: لعله - أي لعل ذلك هو السبب" (74) ."
و بوهندي هنا يلبس لبوس النسَّاك و يظهر الورع الكاذب، و لو اتقى الله تعالى لعلم أن هذين علمين كبيرين و أنه قزم صغير قصارى أمره أن يترضى عليها لأنه لا يدخل بين الجلد و الظفر إلاَّ الوسخ كما يقول المثل المغربي.
و لقد طالت حياة السيدة عائشة أم المؤمنين و حياة أبي هريرة، فكانت حاجة الناس إليهما بمقدار حياتهما فيهم. و لهذا روي عنهما من الحديث ما لم يرو عن غيرهما، و قد كان أبو هريرة يحدث فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، و توافقه تارة أخرى، كما كان يحدث مع غيره من الصحابة. فقد استدركت السيدة عائشة على أبي بكر و عمر و عثمان و علي و ابن عمر و أبي هريرة، و قد جمع ذلك كله الإمام الزركشي في كتاب مفرد سماه"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"بين وجه الصواب في كل مسألة من تلك المسائل.
( 74) ( ص.18) .