ثم إنه انتهى في آخر الفصل إلى إيراد جملة من الشبه على قضية الملازمة هذه حتى ينسفها من أصلها و من هذه الشبه التافهة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن كحال العلماء الذين يجلسون للدروس ثم ينصرفون لمشاغلهم فمن حضر الدرس استفاد و من لم يحضره ضاعت عليه الفائدة، بل كان كثير المهام و الأشغال و كانت الدعوة و التدريس جزءًا صغيرًا من مهامه الشريفة.
و الجواب عن هذا أن يقال و ماذا في ذلك؟ و أبو هريرة يقول إنه كان يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - في جل أموره و يلازم مجالسه العلمية و يوقف نفسه على ذلك، و هذا كان ديدن طلبة العلم قديمًا في ملازمة المشايخ أنى حلوا و ارتحلوا حتى جمعوا بين العلم و العمل، و سيرهم في ذلك معروفة معلومة لمن اهتم بها.
و من طالع السنة تبين له صدق أبي هريرة رضي الله عنه، و تفاهة شبه هذا الضال، فهذا الإمام البخاري رحمه الله تعالى يعقد بابًا في »الصحيح « بعنوان:"باب التناوب في العلم". وأورد تحته هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه قال:"كنت أنا و جار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - و هي من عوالي المدينة - و كنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل يومًا و أنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي و غيره و إذا نزل فعل مثل ذلك (72) ."
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى:"و فيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم و غيره، مع أخذه الحزم في السؤال فيما يفوته يوم غيبته، لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذَّاك" (73) .
فهذا الحديث و غيره كثير يدل على تناوب الصحابة في حضور مجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - لمشاغلهم، و يدل على وجود مجالس علمية يعقدها صلوات ربي و سلامه عليه.
( 72) أخرجه البخاري ( 89) .
( 73) "فتح الباري" ( 1/245) .