الصفحة 19 من 54

و بكل حال فهذه سياسة عمرية ارتأى فيها المصلحة و ليست من كتم العلم في شئ بل هي من باب تنظيم مدارسة العلم، و مع هذا فقد ورد أن عمر أذِن لأبي هريرة رضي الله عنهما بالتحديث فعن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إلي فقال كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في بيت فلان؟ قلت: نعم، و قد علمت لأي شئ سألتني قال: و لم سألتك ؟ قلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومئذ:"من كذب عليًّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". قال: أمَّا لا، فاذهب فحدث (62) .

و قد أورد الحافظان ابن عبد البر و ابن حزم آثارًا كثيرة عن عمر رضي الله عنه في الحض على نشر السنن والعمل بها يكفي أن نمثل لها بما جاء عن بكير بن الأشج أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز و جل" (63) .

و هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه رد صريح و جواب مفحم لهذا الكاتب و أمثاله من أعداء السنن و الآثار.

و أما عثمان رضي الله عنه فالثابت عنه بخلاف هذا و لا ندري من أين استقى الكاتب هذه الشبهة عنه؟! إلا إذا كان يعني أن عثمان رضي الله عنه نهى أبا هريرة عن التحديث فهذا أيضًا لم يأت بسند متصل تقوم به الحجة، و لو ثبت لكان من باب تنظيم العلم كما فعل في قضية المصاحف و غيرها. رضي الله عن الصحابة أجمعين.

و أما الجواب عن الشبهة الثالثة فيقال لهذا المتهكم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: قد بينا مرارًا أن أبا هريرة لم ينفرد بشئ عن غيره من الصحابة، و إنما جمع محفوظات تفرقت عند غيره، و أنه ما من شئ حفظه هو إلا و شاركه فيه غيره، و أن مخالفته لهم هي في كثرة محفوظه دونهم ليس إلاَّ فافهم و لا تكن من الغلفلين!!

( 62) "تاريخ دمشق" ( 29/192) و فيه يحيى بن عبيد الله وثقه الإمام يحيى بن سعيد القطان و ضعفه غيره.و للأثر طريق آخر ."السير" ( 4/189) و"البداية" ( 8/501) .

( 63) "جامع بيان العلم" ( 1927) ، و اللالكائي ( 202) و"أصول السنة" ( رقم 7) و سنده لا بأس به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت