الصفحة 18 من 54

و مع ذلك نقول إن أبا هريرة رضوان الله عليه ما كتم من ذلك شيئًا بل كان يوري و يشير إلى ذلك، فقد قال الحافظ أيضًا، رحمه الله تعالى:"و حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء و أحوالهم و زمنهم، و قد كان أبو هريرة يكني عن بعضه و لا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين و إمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة. . ." (59) .

و أما الجواب عن الشبهة الثانية وهي منع عمر و عثمان رضي الله عنهما الناس من التحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان لعمر رضي الله عنه في ذلك سياسة خاصة، و هي توجيه الناس للاهتمام بالقرآن أولًا ثم السنة مع التثبت و التدبر ثانيًا، لا أنه كان يأمر بكتم الحديث و ينهى عن بثه.

و قد بين ذلك أئمتنا جيدًا فقد أورد الحافظ ابن عبد البر الآثار عن عمر رضي الله عنه، بذلك تحت باب"ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له و التفقه فيه". ثم قال:"و لا يخلو الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من أن يكون خيرًا أو شرًّا، فإن كان خيرًا - ولا شك فيه أنه خير - فالإكثار من الخير أفضل، و إن كان شرًّا فلا يجوز أن يتوهم أن عمر رضي الله عنه يوصيهم بالإقلال من الشر، وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و خوف الاشتغال عن تدبر السنن و القرآن لأن المكثر لا تكاد تراه إلاَّ غير متدبر و لا متفقه (60) ."

و كذلك قال الإمام ابن كثير:"و هذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي يضعها الناس على غير مواضعها، و أنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، و أن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك" (61) .

( 59) "فتح الباري" ( 1/286) .

( 60) "جامع بيان العلم" ( 2/1001) ، و انظر"الإحكام"لابن حزم ( 2/140) .

( 61) "البداية و النهاية" ( 8/501) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت