كلاَّ لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه ليخشى الناس في الله سبحانه و تعالى و هو المعروف بصرامته في الحق و مواجهته للحكام بما يكرهون، و لكنك أيها الشانئ قلَّ علمك فكثر اعتراضك، فاسمع ما قاله العلماء الأعلام في تأويل هذا الحديث، فقد قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى:"هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح و الذم، أمَّا حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات و الهدى. و في »صحيح البخاري « قول الإمام علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون و دعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله و رسوله؟! و كذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء لأوذي، بل لقتل، و لكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياءً للسنة، فله ما نوى و له أجر -و إن غلط- في اجتهاده" (57) .
و هذا الأثر عن علي كرم الله وجهه أسنده البخاري (رقم127) في باب:"من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألاَّ يفهموا". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"و ممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، و مالك في أحاديث الصفات، و أبو يوسف في الغرائب. و من قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين و أن المراد ما يقع من الفتن، و نحوه عن حذيفة و عن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. و ضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة و ظاهره في الأصل غير مراد. فالإمساك عنه عند من يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب" (58) .
و هذا كلام يكتب بماء الذهب، فللَّه در أئمتنا الأعلام ما كان أفقههم لمقاصد الشريعة و لَحَى الله الجهلة الطِّغام الذين يريدون أن يفسدوا علينا ديننا بالجهل و الشبه التافهة.
( 57) "سير أعلام النبلاء" ( 4/186) .
( 58) "فتح الباري" ( 1/297) .