الصفحة 13 من 45

القول الثاني هو: أنها من أله يأله فهو مألوه، أي: معبود، أي: أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبودية، وهذا هو القول الصحيح، ومن ثَّم جاء تفسير كلمة الشهادة (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى، وهذا هو توحيد العبادة، وهذا هو الصحيح في معنى (لا إله لا الله) ، وهو الصحيح أيضًا في اشتقاق كلمة (الله) .

قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى: (زعم السهيلي وشيخه أبو بكر بن العربي: أن اسم الله غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق. ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر، فهو باطل.

ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألَمَّ بقلوبهم، وإنما أرادوا: أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير، والغفور والرحيم، والسميع والبصير.

فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له، فما كان جوابكم عن هذه الأسماء؛ فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه: (الله) .

ثم الجواب عن الجميع: أنَّا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه: (أصلا وفرعا) ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة.

وقول سيبويه: (إن الفعل أمثلة أخِذت من لفظ أحداث الأسماء) ؛ هو بهذا الاعتبار، لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا، ثم اشتقوا منها الأفعال، فإن التخاطب بالأفعال ضروري، كالتخاطب بالأسماء، لا فرق بينهما، فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي، وإنما هو اشتقاق تلازم، سُمي المتضمِّن - بالكسر: مشتقا، والمتضمَّن - بالفتح: مشتقا منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى) [1] .

الاسم والمسمى

الراجح عند أهل السنة والجماعة أن يقال: إن الاسم للمسمى؛ لورود الأدلة بذلك:

قال الله تبارك وتعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف /180) .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لله تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر) [2] .

والاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك - فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك - فالاسم هاهنا للمسمى. [3]

منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى

إن منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى مبني على التوقيف، لأنها من الأمور الغيبية التي يجب الوقوف فيها على ما ثبت في الكتاب والسنة.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ? إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة/168 و 169) ، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ

(1) بدائع الفوائد/ العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، تحقيق علي بن محمد العمران، الناشر دار عالم الفوائد - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1425 هـ، 1/ 39 - 40.

(2) رواه الإمامين البخاري (6410) ومسلم (2677) في صحيحيهما.

(3) شرح العقيدة الطحاوية/ صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى 792 هـ) ، تحقيق شعيب الأرنؤوط - عبد الله بن المحسن التركي، الناشر مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة العاشرة، 1417 هـ - 1997 م، 1/ 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت