من أعظم الأمور عند الله أن يسفك العباد بعضهم دم بعض في غير الطريق الذي شرعه الله تبارك وتعالى فعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ [1] .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ ، قَالَ: أوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ ، يَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ ، قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ، هَذَا قَتَلَنِي ، فَيَقُولُ: فِيمَ قَتَلْتَهُ ؟ فَيَقُولُ: قَتَلَتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلاَنٍ ، فَيُقَالُ: إِنَّهَا لَيْستَْ لَهُ ، بُؤْ بِعَمَلِكَ ، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ، هَذَا قَتَلَنِي ، فَيَقُولُ: فِيمَ قَتَلْتَهُ ؟ فَيَقُولُ: قَتَلَتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَك. قَالَ: فَيَقُولُ: إِنَّ الْعِزَّةَ لِي. [2]
وعَنْ عَمْرِو بن شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:يَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنَّهَا لِي، قَالَ:وَيَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَتَلَنِي هَذَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: لِمَ قَتَلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلانٍ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، بُؤْ بِذَنْبِهِ. [3]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « يَجِىءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِى. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ لِمَ قَتَلْتَهُ فَيَقُولُ قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ. فَيَقُولُ فَإِنَّهَا لِى. وَيَجِىءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ إِنَّ هَذَا قَتَلَنِى. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ لِمَ قَتَلْتَهُ فَيَقُولُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلاَنٍ فَيَقُولُ إِنَّهَا لَيْسَتْ لِفُلاَنٍ فَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ » [4] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « يَجِىءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا يَقُولُ يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِى حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ » . قَالَ فَذَكَرُوا لاِبْنِ عَبَّاسٍ التَّوْبَةَ فَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (93) سورة النساء ، قَالَ: وَمَا نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَلاَ بُدِّلَتْ وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ. [5]
تشخب: تسيل -الأوداج: العروق المحيطة بالعنق التى تقطع حالة الذبح واحدها الودج
وعَنْ سَالِمٍ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى قَالَ وَيْحَكَ وَأَنَّى لَهُ الْهُدَى سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « يَجِىءُ الْمَقْتُولُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ يَقُولُ يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِى » . وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا نَسَخَهَا بَعْدَ إِذْ أَنْزَلَهَا قَالَ وَيْحَكَ وَأَنَّى لَهُ الْهُدَى [6] .
ولعظم أمر الدماء فإنها تكون أول شيء يقضى فيه بين العباد فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى الدِّمَاءِ » . رواه مسلم [7] .
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه - أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ ( {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} (19) سورة الحج، نَزَلَتْ فِى حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِى يَوْمِ بَدْرٍ" [8] "
وعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - قَالَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَىِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ قَيْسٌ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} (19) سورة الحج، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِىٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ [9] .
قال النووي:"فِيهِ تَغْلِيظُ أَمْر الدِّمَاء ، وَأَنَّهَا أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ، وَهَذَا لِعِظَمِ أَمْرهَا وَكَثِير خَطَرهَا ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي السُّنَن:"أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد صَلَاته"؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي فِيمَا بَيْن الْعَبْد وَبَيْن اللَّه تَعَالَى ، وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَهُوَ فِيمَا بَيْن الْعِبَاد . وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ [10] ."
وقال الحافظ ابن حجر:"وَالْمَعْنَى أَوَّلُ الْقَضَايَا الْقَضَاءُ فِي الدِّمَاءِ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِير أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ الْأَمْر الْكَائِن فِي الدِّمَاء ، وَلَا يُعَارِض هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ « إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَىْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِى مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ » أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن [11] لِأَنَّ الْأَوَّل مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِمُعَامَلَاتِ الْخَلْق وَالثَّانِي فِيمَا يَتَعَلَّق بِعِبَادَةِ الْخَالِق ، وَقَدْ جَمَعَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته فِي حَدِيث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلاَةُ وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِى الدِّمَاءِ » [12] ."وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحَجّ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّة بِأَخَصَّ مِمَّا فِي حَدِيث الْبَاب وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ"أَنَا أَوَّل مَنْ يَحْثُو لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"يَعْنِي هُوَ وَرَفِيقَاهُ حَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَخُصُومُهُمْ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ اِبْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيد بْن عُتْبَةَ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْم بَدْر ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فِيهِمْ نَزَلَتْ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} (19) سورة الحج ،وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ ، وَفِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ"أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ ، وَيَأْتِي كُلّ قَتِيل قَدْ حَمَلَ رَأْسَهُ فَيَقُول: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي"الْحَدِيثَ ، وَفِي ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ ، هَلْ لِلْقَاتِلِ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَالْمُتَعَجِّبِ مِنْ شَأْنِهِ: مَاذَا تَقُولُ ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ . فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"يَأْتِي الْمَقْتُولُ مُتَعَلِّقًا رَأْسُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ مُلَبِّبًا قَاتِلَهُ بِالْيَدِ الْأُخْرَى تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْعَرْشَ ، فَيَقُولُ الْمَقْتُولُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: هَذَا قَتَلَنِي . فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَاتِلِ: تَعِسْتَ . وَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى النَّارِ" [13] ، وَنَحْوه عِنْد اِبْن الْمُبَارَك عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا . وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْقِصَاصِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَيُعْلَمُ مِنْ الْحَدِيث الثَّانِي ، وَأَخْرَجَ اِبْن مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ نَحْنُ آخِرُ الأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ يُقَالُ أَيْنَ الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ وَنَبِيُّهَا فَنَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ » [14] .
وَفِي الْحَدِيث عِظَمُ أَمْر الدَّم ، فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَهَمِّ ، وَالذَّنْب يَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَم الْمَفْسَدَةِ وَتَفْوِيت الْمَصْلَحَة ، وَإِعْدَامُ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ غَايَةُ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّغْلِيظ فِي أَمْر الْقَتْل آيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَآثَارٌ شَهِيرَةٌ ... [15] .
ـــــــــــــ
(1) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 426) (28527) صحيح
(2) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 426) (28528) صحيح مرسل
(3) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 8 / ص 426) (9930 ) صحيح
(4) - سنن النسائى (4014) صحيح
(5) - سنن الترمذى (3303 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ( صحيح)
(6) - مسند أحمد (1969) صحيح
(7) - صحيح مسلم (4475) و"البُخَارِي"8/138 (6533)
(8) - صحيح البخارى (4743 )
(9) - صحيح البخارى (4744 )
(10) - شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 89)
(11) - سنن الترمذى (415) وسنن النسائى (470) والمسند الجامع - (ج 16 / ص 1018) (12801و12802 9 صحيح
(12) - السنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة - (ج 2 / ص 484) (3439) وسنن النسائى (4008 ) صحيح
(13) - مجمع الزوائد (12306 ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ والديات لابن أبي عاصم (19) صحيح
(14) - سنن ابن ماجه (4431 ) صحيح
(15) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 380)