وأما الآحاد فما تفرّد بنقله بعض أهل اللغة، ولم يوجد فيه شرط التواتر، وهو دليل مأخوذ به.
واختلفوا في إفادته العلم فذهب الأكثرون إلى أنه يفيد الظن، وزعم بعضهم:"أنه يفيد العلم"، وليس بصحيح لتطرق احتمال الشك به، وزعم بعضهم:"أنه إن اتصلت به القرائن أفاد العلم ضرورة كخبر التواتر لوجود القرائن". سيأتي معنا القول بجواز رواية الحديث بالمعنى.
وتجوز رواية الحديث بالمعنى، وثبت ذلك بالفعل وأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى علماء الحديث المشهورين كلهم؛ اتفقوا على جواز رواية الحديث بالمعنى، كما فهم ذلك أرباب اللغة وأساطينها. والذين قاموا بجمع اللغة وتدوينها لم يحتجوا بالحديث على ذلك، علمًا بأن تدوين اللغة قد سبق تدوين الحديث، كما أن أرباب اللغة كانوا في حد ذاتهم علماء في الحديث والفقه، ولكن اللغة غلبت عليهم، فاشتهروا كلغويين، وإليك شيئًا مما قرره علماء اللغة بالنسبة لعدم الاحتجاج بالحديث في تدوين اللغة.
لأئمة اللغة وعلماء الصرف والنحو باع طويل في هذا الموضوع، وشأو بعيد في هذا الميدان، فقد كان استيثاقهم من الشواهد التي كانوا يستدلون بها في بحوثهم، ويعتمدون عليها في دراساتهم وتحقيقاتهم، كان لا يقل عن توثُّق علماء الحديث. وآراؤهم معتبرة في هذا المضمار، خاصة في تفصيل الأدلة من المتواتر والظني، وردهم كل ما هو ظني. حتى وصل بهم الأمر إلى عدم الاستشهاد بالأحاديث الظنية؛ لأن علماء الحديث جوّزوا أخذها وروايتها بالمعنى. وقد أوفى هذا البحث حقه العلاّمة"عبد القادر البغدادي"فيقول (1) :-
(1) خزانة الأدب صفحة 4 وما بعدها.