الصفحة 52 من 169

وبما أنه اتفق على جواز رواية الحديث بالمعنى، ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا القليل من العلماء، فكان هذا دافعًا لهم لأن يقتصروا على أخذ اللغة من أفواه الأعراب، والاحتجاج بالأشعار التي قيلت قُبَيْلَ البعثة وإبّانَها وبُعَيْدَها بقليل، فلم يأخذوا بالحديث دليلًا على اللغة، أي لم يحتجوا بالحديث في أخذ اللغة وتدوينها.

لكنهم وإن ساروا حسب الشروط التي وضعت لأخذ الحديث وتدوينه، وقسموا الأخبار المنقولة في اللغة إلى تواتر وآحاد، كما انسحب على تدوين اللغة قانون الجرح والتعديل، إلا أن إمكانية الوضع في الحديث أقرب منها في اللغة، ومع هذا فإنهم كانوا شديدي الاهتمام والتحري في جمع اللغة وتدوينها فقسموا النقل إلى تواتر وآحاد، وإلى قطعي وظني.

يقول ابن الأنباري وهو من علماء اللغة المشهورين كما كان من علماء الفقه والحديث:

اعلم أن النقل ينقسم إلى قسمين: تواتر وآحاد (1) . فأما التواتر فلغة القرآن الكريم، وما تواتر من السنة وكلام العرب. وهذا القسم دليل قطعي من أدلة النحو يفيد العلم، واختلف العلماء في ذلك العلم، فذهب الأكثرون إلى أنه ضروري، واستدلوا على ذلك بأن العلم الضروري هو الذي بينه وبين مدلوله ارتباط معقول، كالعلم الحاصل من الحواس الخمس، السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وهذا موجود في خبر التواتر. وذهب آخرون إلى أنه نظري، واستدلوا على ذلك بأنه بينه وبين النظر ارتباط، لأنه يشترط في حصوله نقل جماعة يستحيل عليهم الاتفاق على الكذب دون غيرهم فلما اتفقوا علم أنه صدق.

وزعمت طائفة قليلة أن لا يفضي إلى علم ألبتة، وتمسكت بشبهة ضعيفة، وهي أن العلم لا يحصل بنقل كل واحد منهم، فكذلك لا يحصل بنقل جماعتهم، وهذه شبهة ظاهرة الفساد، فإنه يثبت للجماعة ما لا يثبت للواحد، فإن الواحد لو رام حَمْل حِمْل ثقيل لم يمكنه ذلك، ولو اجتمع على حمله جماعة لأمكن ذلك فكذلك ها هنا.

(1) الإغراب في جدل الإعراب ص 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت