الصفحة 49 من 169

فقال عليه الصلاة والسلام: لو سمعت شعرها قبل قتله ما قتلته، وهذا يدل على الاجتهاد. وحَكَّمَ سعدًا في بني قريظة فَحَكَمَ بأن تقتل مقاتلتُهم وتسبى ذراريهم، وما جعل لغيره أن يفعله فله عليه الصلاة والسلام أن يفعله، لأن الأصل مساواة أمته له في الأحكام إلا ما دل الدليل على تخصيصه من ذلك. ويرد على الكل؛ أن هذه الصورة يجوز أن يقارنها نصوص نزلت؛ أو تقدمتها نصوص، بأن يوحى إذا كان كذا فافعل كذا وحينئذ هي بالوحي لا بالاجتهاد.

والحقيقة الناصعة التي تقوم على الحجة القاطعة أنه لا يجوز في حق الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون مجتهدًا. وذلك بالدليل العقلي و بالدليل الشرعي. أما بالنسبة للدليل العقلي؛ فإن الاجتهاد يتنافى مع العصمة، لأن الرسالة والتبليغ لا يجوز أن يتطرق إليها الخطأ، ونحن مأمورون بالتأسي به صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد يدخله الخطأ ويستحيل على الله تعالى أن يأمرنا باتباع الخطأ. أما من جهة الدليل الشرعي فإن الرسول كان ينذر بالوحي وينطق عن الوحي، (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ) (1) ، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) (2) . والوقائع كانت تثبت ذلك، إذ كانت تأتيه المسألة أو تحدث الحادثة فيتريث فلا يجيب عن السؤال، أو يحكم في الحادثة إلا بعد أن يتنزل عليه الوحي ومنها ما يتنزل الوحي لتوه ومنها ما يمكث الوحي أياما فلا يجيب وهو ينتظر.

(1) الأنبياء / 45

(2) النجم / 3- 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت