الصفحة 47 من 169

وأما الفقهية: فالقطعية منها وجوب الصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم وتحريم الزنا والقتل والسرقة والشرب، وكل ما علم قطعًا من دين الله، فالحق فيها واحد، وهو المعلوم، والمخالف فيها آثم. ثم ينظر فإن أنكر ما علم ضرورة من مقصود الشارع؛ كإنكار تحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصوم فهو كافر، لأن هذا الإنكار لا يصدر إلا عن مكذب بالشرع وإن قطعًا بطريق النظر لا بالضرورة، ككون الإجماع حجة وكون القياس حجة وخبر الواحد حجة، وكذلك الفقهيات المعلومة بالإجماع فهي قطعية فمنكرها ليس بكافر ولكنه آثم مخطئ...

أما ما عداه من الفقهيات الظنية التي ليس عليها دليل قاطع، فهو في محل الاجتهاد، فليس فيها حق معين، ولا إثم على المجتهد، إذا تمم اجتهاده، وكان من أهله. فخرج من هذا أن النظريات قسمان قطعية وظنية، فالمخطئ في القطعيات آثم، ولا إثم في الظنيات أصلًا، لا عند من قال المصيب فيها واحد، ولا عند من قال: كل مجتهد مصيب هذا هو مذهب الجماهير.

وأما الطرق الموصلة إلى المطلوبات: فتنقسم إلى قسمين: قطعي وظني (1) : أما القطعي فلا ترجيح فيه، لأن الترجيح لا بد وأن يكون موجبًا لتقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر. والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان فلا يطلب فيه الترجيح. ولأن الترجيح إنما يكون بين المتعارضين، وذلك غير متصور في القطعي لأنه إما أن يعارضه قطعي أو ظني: فالأول محال، لأنه يلزم منه إما العمل بها وهو جمع بين النقيضين في الإثبات، أو امتناع العمل بها وهو جمع بين النقيضين في النفي، أو العمل بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية مع التساوي، والثاني محال لامتناع ترجيح الظني على القاطع، وامتناع طلب الترجيح في القاطع.

(1) الإحكام للآمدي ص 207 ج 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت