قال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ) (1) ، ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم. فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء:أي على السماء. ومن قال من دهماء النظار المتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى تأويلات بحسب مقتضاها وذكر ما سبق. قال: ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا وسكتوا لحيرة العقل. واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاك في الوجود الموجود وغير قادح في التوحيد بل هو حقيقته. ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة، خاشيًا من مثل هذا التسامح. وهل بين التكييف وإثبات الجهات فرق. ولكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه (الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (2) ، وأنه (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (3) ، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (4) عصمة لمن وفقه الله تعالى. اهـ
وأما إيمان الأعراب المتوغلين في البداوة فإنهم بعيدون عن لوثة التحضر فأذهانهم صافية والصحراء فيها متسع هائل للتأمل والتفكر فليس بغريب أن يستجيبوا لأول طرقة تطرق أذهانهم ويؤمنوا.
الفرق بين القطعيات والظنيات
والنظريات تنقسم إلى ظنية وقطعية (5) ، فلا إثم في الظنيات، إذ لا خطأ فيها. والمخطئ في القطعيات آثم، والقطعيات ثلاثة أقسام: كلامية، وأصولية، وفقهية.
(1) الملك / 16
(2) الأنعام/ 18
(3) الأعراف/ 54
(4) الشورى / 11، والشيء في اللغة هو"ما دون الله فهو شيء"
(5) المستصفى ص 486