الصفحة 42 من 169

فيخاطبنا الله سبحانه وتعالى بلغتنا التي نتخاطب بها. واللغات عندما وضعت من قبل البشر؛ وضعت لتعبر عما في نفوسهم وما يريدون وما يحتاجون. فوضعت أسماء وأوصافًا ومعاني للحسيات والمعنويات والمعقولات، كل ذلك ضمن الواقع الذي يعيشون فيه وما تشتمل عليه بيئتهم، فلم يخرجوا على ما تحتويه البيئة وما تقتضيه متطلبات العيش.

وعندما تنزل التشريع من عند الله نصوصًا، تنزل بلغة اختارها سبحانه من بين لغات البشر المتعددة، فيها من الميزات والخصائص ما لا يوجد في غيرها، فهي جديرة بأن تكون لغة التنزيل وأن تكون لغة القرآن العظيم فشرفت به، وكانت بذلك هي أفضل اللغات وأسماها.

ولكن الله جل شأنه خاطبنا فيما يختص بذاته العلية وصفاته الحسنى بما لا يخرج عن الواقع الذي نعيشه، أو البيئة التي تخصتنا. فالظروف والكيفيات والحسيات والتمثيل والتجسيم والتشبيه والتكييف، كل ذلك لابد وأن يأتي تباعًا عند التخاطب بين الناس، ولكن اللغة العربية لرقيها وسموها ولما امتازت به من خصائص؛ جعلتها قمينة بأن تكون لغة القرآن، اتسعت، ووضعت أصولها، وقعدت قواعدها، وغدت على شكل أبعدها عن الجمود، وأخرجها عن التضييق في معاني الألفاظ.

فالحديث الذي نحن بصدده: وهو سؤال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للجارية بقوله: أين الله؟، وجوابها له بقولها: في السماء. سؤال فيه معنى الظرفية وجواب فيه معنى الاحتواء، ولكن واضعي اللغة لم يتركوا شيئًا إلا وتوسعوا فيه. فهذا الحرف"في"الذي ورد في جواب الجارية"في السماء". هذا الحرف أتى في كتب اللغة والنحو له عشرة معانٍ، منها:

الظرفية المكانية والظرفية الزمانية، وقد اجتمعت في قوله تعالى: (الم(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ) (1) : و"أدخلت الخاتم في اصبعي".

(1) الروم/ 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت