كما يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب ولكن بشروطه. ويجوز تقليد القائف العدل عند مالك وروي: لا بد من اثنين. كما يجوز تقليد التاجر في تقييم المتلفات، إلا أن تتعلق القيمة بحد من حدود الله، فلا بد من اثنين، لأن الحدود تدرأ بالشبهات. ويجوز تقليد المقوّم لأرش الجنايات. كما ويجوز تقليد الخارص الواحد فيما يخرصه عند مالك رحمه الله. ويقلد الطبيب فيما يدعيه. كما ويقلد الملاح في القبلة إذا خفيت أدلتها إن كان عدلًا دربًا. وكذلك الخبير بسير الصحارى. ويقلد العامي في ترجمة الفتوى باللسان العربي أو العجمي، وفي قراءتها أيضًا ولا يجوز لعالم ولا جاهل التقليد في البديهيات كزوال الشمس لأنه مشاهد (1) .
نعم إن الإسلام نهانا عن اتباع غير سبيل العلم فقال: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (2) ، فالواجب في كل أمر من أمور الشرع-أمرنا به أو نهينا عنه؛ أن نصل إلى العلم بحكمه، بطريق من الطرق الموصلة إلى العلم. فإن لم يتمكن المكلف من ذلك - وجب عليه النظر للوصول إلى ظن غالب في المسألة، والتقليد لا يوصل إلى علم ولا إلى ظن غالب، ولذلك لم يجوّز كثير من العلماء التقليد إلا للضعيف العاجز المضطر، وهو العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد، فهذا هو الذي أوجبوا أو أجازوا له أن يستفتي ويقلد من استفتاه.
(1) الشخصية الإسلاميةج1 ص
(2) الإسراء/ 36