وأيضًا فقد روي عن جابر رضي الله عنه: أن رجلًا أصابه حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة فيمسح عليها ويغسل سائر جسده"وقال، أي: النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العيّ السؤال". فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى السؤال عن الحكم الشرعي. وصح أن الشعبي قال:"كان ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون الناس: ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى رضي الله عنهم، وكان ثلاثةٌ يَدَعُون قولَهم لثلاثة، كان عبد الله يَدَعُ عمر، وكان أبو موسى يَدَعُ قولَه لقولِ علي، وكان زيدٌ يَدَعُ قوله لقول أبي بن كعب،"فهذا أيضًا يدل على أن الصحابة كان يقلدهم المسلمون وأن بعضهم كان يقلد بعضًا" (1) ."
ولكن التقليد في الأصول لا يجوز وقد نعى القرآن الكريم على الذين يقلدون في العقيدة. وأما التقليد في الفروع فهو جائز شرعًا، ودليله إضافةً إلى ما مضى، قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (2) فأمرهم بالحذر عند إنذار علمائهم، ولولا وجوب التقليد لما وجب ذلك. ولقوله تعالى: (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (3) ، قال المفسرون: هم العلماء. وقيل: ولاة الأمر والنهي، ووجوب الطاعة وهو وجوب التقليد.
(1) الشخصية الإسلامية ج1 ص 185
(2) التوبة / 122
(3) النساء / 59