قال الجاحظ: (1) وعبد الله العنبري بتصويب المجتهدين في أصول الدين بمعنى لا بل وردت الأدلة القاطعة بتحريم الاجتهاد في العقيدة وعدم الأخذ بالظني في العقيدة وهي الآيات الواردة في سورة يونس والنجم وغيرها التي ستأتي بعد قليل.
عدم الإثم لا بمعنى مطابقة الاعتقاد واتفق سائر العلماء على فساد هذا القول.
حجة الجاحظ في ذلك: أن المجتهد في أصول الدين إذا بذل جهده فقد فنيت قدرته فتكليفه بعد ذلك بما زاد على ذلك تكليف بما لا يطاق، وهو منفي في الشريعة في قوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (2) .
وقد رد عليه الجمهور بقولهم: إن أصول الديانات مهمة عظيمة، فلذلك شرع الله تعالى فيها الإكراه دون غيرها، فيكره على اعتناق الإسلام، أو الخضوع لسلطانه بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال والذراري، وذلك أعظم الإكراه. وإذا حصل الإيمان في هذه الحالة اعتبر في ظاهر الشرع وغيره، ولو وقع بهذه الأسباب لم يعتبر، ولذلك لم يعذره الله في الجهل في أصول الدين إجماعًا. ولو شرب خمرًا يظنه حلالًا، أو وطىء امرأة يظنها زوجته عذر بالجهل، وكذلك جعل النظر الأول واجبًا مع الجهل الموجب وذلك تكليف ما لا يطاق. فكذلك إذا حصل الكفر مع بذل الجهد، يؤاخذ الله على ذلك، ولا ينفعه بذل جهده لعظم خطر الباب وجلال رتبته. وظواهر النصوص تقتضي أنه من لا يؤمن بالله ورسوله ويعمل صالحًا فإن له نار جهنم خالدًا فيها. الأصول على الفروع غلط لعدم التفاوت بينهما.
والمجتهد إن اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد وأصاب فله أجران، ترى هل ينطبق مثل هذا القول على العقيدة فيما إذا أخذت بالاجتهاد؟
(1) كتاب الشامل لإمام الحرمين ص 3 عن كتاب التنقيح ص 438.
(2) البقرة / 286