الصفحة 34 من 169

فلم توجد مسألة خلق القرآن ومحنتها المشهورة، إلا عندما دخل الاجتهاد العقيدة، ولم توجد مسألة القضاء والقدر إلا بعد أن دخل الاجتهاد العقيدة، أي وجدت الجبرية والقدرية، ولم توجد مسألة أن مرتكب الكبيرة كافر أو أنه في منزلة بين المنزلتين؛ إلا بعد أن دخل الاجتهاد العقيدة. كما أن التأويلات التي دخلت بحث الصفات والتي أنتجت فِرَقًا منها: المعطِّلة، والمشبِّهة، والمجسِّمة إلا بعد أن دخلَ الاجتهاد العقيدة، ومسألة خلق الأفعال؛ وما تولد عنها؛ كل ذلك لم يطرأ إلا بعد أن جعلت العقيدة محل اجتهاد ونظر.

فالعقيدة قطعية يقينية ولا تؤخذ إلا بالدليل القطعي، ولا يجوز أن تؤخذ بالدليل الظني كما أنه لا محل للاجتهاد فيها، ولا محل للترجيح فيها. فمن يقول بأن حديث الآحاد يؤخذ في العقيدة قوله مردود عليه، وكأنه يريد أن تظهر فرق كالفرق السابقة، أو أنه يريد أن يأتي أناس يحتذون حذو هاتيك الفرق الضالة المبتدعة.

فالاجتهاد ورد عليه دليل في الأحكام العملية وهو إقرار الرسول لإصحابه في بعض حوادث متفرقة كصلاة العصر في بني قريظة. وطلبه من عمرو بن العاص أن يحكم في قضية. وقصة إرسال معاذ بن جبل اليمن. وتحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة. وأمر الله بالتحكيم في جزاء من قتل الصيد مُحْرِمًا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (1) ، ولكن هل ورد أن أمرًا من الأمور الاعتقادية خضع للاجتهاد أو التحكيم، أو ورد عليه دليل في الاجتهاد فيه كحادثة صلاة العصر في بني قريظة أو غير ذلك؟

(1) المائدة/ 95

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت