الصفحة 33 من 169

والاجتهاد بشروطه المطلوبة لا يستطيعه كل مسلم بل القلة القليلة والندرة النادرة هي التي تحصل على أهلية الاجتهاد، وتتوفر لديها شروطه. فكان لا بد للكثرة الكاثرة الباقية من المسلمين أن يرجعوا إلى هؤلاء المجتهدين، ليسألوهم عن الأحكام التي تلزمهم، والتي تتعلق بأعمالهم اليومية والمستجدة، فيكونون بذلك مقلدين. والاجتهاد فرض على الكفاية فلا يجوز أن يخلو العصر من مجتهد وإلا أثم المسلمون جميعًا، وبوجود مجتهد أو أكثر في عصر من العصور يسقط الإثم عن باقي المسلمين.

وقد سار المسلمون على هذا الحال: الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يومنا هذا، فكان للصحابة اجتهادات كثيرة، واختلافاتهم في المسائل كثيرة ومشهورة وكذلك التابعون اجتهاداتهم واختلافاتهم كثيرة. ثم وجدت المذاهب ودونت الأحكام ووجد التلاميذ. ومجالسهم ومناظراتهم كثيرة ومشهورة أيضًا.

كل ذلك حصل بالفعل وهذه مدونات الفقه الإسلامي التي ملأت الخزائن حافلة بذلك. ولكن كل ذلك كان محصورًا في الأحكام العملية، ولم يتعدها إلى أي أمر من الأمور الاعتقادية.

ولكن الأمور لم تبق كما هي، فلما اتصل المسلمون بالأمم الأخرى واطلعوا على بعض الفلسفات والثقافات، تسرب البحث إلى الأمور الاعتقادية. فكان البحث في الذات والصفات ويوم المعاد وبعض أحوال اليوم الآخر. فوجدت مسألة القضاء والقدر، ومسألة خلق القرآن، ووجد مذهب المعتزلة، فتأولوا واجتهدوا فاشتطوا وزاغوا، فكفر بعضهم وفسق بعضهم وابتدع بعضهم. وهكذا وجدت الأضاليل والأباطيل والهرطقات عندما دخل الاجتهاد العقيدة واستدل عليها بالأدلة الظنية وأصبحت محل بحث ونظر واجتهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت