الصفحة 31 من 169

أن أبا بكر رضي الله عنه رأى التسوية في العطاء إذ قال: الدنيا بلاغ، فكيف وإنما عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله؟ حيث قال عمر: كيف تساوي بين الفاضل والمفضول؟ ورأى عمر التفاوت ليكون ذلك ترغيبًا في طلب الفضائل، ولأن أصل الإسلام وإن كان لله فيوجب الاستحقاق، والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر رضي الله عنهما ولم يفده غلبة الظن ولا مال قلبه إليه، وذلك لاختلاف أحوالهما، فمن خُلِقَ خِلْقَةَ أبي بكر في غلبة التأله، وتجريد النظر في الآخرة غلب على ظنه لا محالة ما ظنه أبو بكر، ولم ينقدح في نفسه إلا ذلك، ومن خُلِقَ خِلْقَةَ عمر على حاله وسجيته في الالتفات إلى السياسة ورعاية مصالح الخلق، وضبطهم وتحريك دواعيهم للخير؛ فلا بد أن تميل نفسه إلى ما مال إليه عمر مع إحاطة كل واحد منهما بدليل صاحبه، ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون. فمن مارس علم الكلام ناسب طبعه أنواعًا من الأدلة يتحرك بها ظنه، لا يناسب ذلك طبع من مارس الفقه. ومن غلب عليه الغضب؛ مالت نفسه إلى كل ما فيه شهامة وانتقام. ومن لان طبعه ورقّ قلبه نفر عن ذلك ومال إلى ما فيه الرفق والمساهلة. فالأمارات كحجر المغناطيس تحرك طبعًا يناسبها كما يحرك المغناطيس الحديد دون النحاس. بخلاف دليل العقل فإنه موجب لذاته، فإن تسليم المقدمتين يوجب التصديق ضرورةً بالنتيجة. فإذن لا دليل في الظنيات على التحقيق، وما يسمى دليلًا فهو على سبيل التجوّز، بالإضافة إلى ما مالت إليه نفسه حسب فهمه. فإذن أصل الخطأ في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة الظنية وزنًا حتى ظنوا أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة وهو خطأ محض.

الاجتهاد ومحله:

ولا بد من أن نأتي إلى الاجتهاد، ونبحث موضوعه ومحله، ولو بإلمامة قصيرة، لنتبين مدى اتصاله بالعمليات والظنيات وأنه لا محل له في الأمور الاعتقادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت