ويخطىء من يقول بأن كلمة الظن هي من الأضداد، أي أنها تفيد الظن وتفيد العلم، سواء كان القائل بهذا من علماء اللغة أو غيرها. فإن هذا مردود بأبسط الأمور. إذ كيف نقول بذلك الرأي مع اجتماع الكلمتين على طرفي النقيض في أكثر من آية واحدة كقوله تعالى: (وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (1) وقوله: (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ....) (2) وقوله: (مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ) (3) . وآيات مثلها كثيرة، فكيف تقيد كلمة الظن العلم والظن معا ككلمة القرء مثلًا؟ فهذا بعيد جدًا ولو كانت كذلك لما وردت الكلمتان في آية واحدة.
أما قول محمد بن القاسم الأنباري: بأن كلمة الظن هي من الأضداد، أي: إنها تفيد الشك واليقين. ويأتي بشواهد على ذلك ولكنه يختم كلامه بقوله:"وقال أبو العباس: إنما جاز أن يقع الظن واليقين لأنه قول بالقلب فإذا صحت دلائل الحق وقامت أماراته كان يقينًا. وإذا قامت دلائل الشك وبطلت دلائل اليقين كان كذبًا. وإذا اعتدلت دلائل اليقين والشك كان على بابه شكًا لا يقينًا ولا كذبًا) فهو هنا يخرج بالخلاصة التي قلنا بها وهي وجود الأمارات والقرائن التي ترفع الظن إلى مرتبة اليقين، أو تهبط به إلى مستوى الشك أو التكذيب. ولذلك فيبقى الظن ليس من الأضداد بل يبقى على طبيعته من حيث دلالته اللغوية وهي إفادة الاحتمالين مع ترجيح أحدهما" (4) .
(1) الجاثية / 24.
(2) الأنعام / 148.
(3) النساء / 157.
(4) كتاب (الأضداد) تأليف محمد بن القاسم الأنباري.تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. الكويت 1960م. سلسلة التراث العربي تصدرها دائرة المطبوعات والنشر الكويت.