أحدهما: اشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة، كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما، يشتغلون بالعمل عن الرواية حتى قلت روايتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم وكثرة رواية من دونهم بالنسبة إليهم. وهذان الإمامان مالك والشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه، كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة.
وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب العلم بابًا كبيرًا في التحذير من الرواية بدون دراية وقال فيه: الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار من الحديث دون تفقه ولا تدبر. وروي عن ابن شبرمة قال: أقلِلْ الروايةَ تفقهْ.
الثاني: بالنسبة لأبي حنيفة - أنه كان لا يروي الرواية إلا لمن يحفظ. روى الطحاوي عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث إلا بما حفظه يوم جمعه إلى يوم يحدث به.
فالفقه واستنباط الأحكام من النصوص أمر شاق، وله شروط لا بد من توفرها في الفقيه حتى يكون أهلا لذلك. ولذلك فقد كثر الحفاظ كثرة مستفيضة. وكان الفقهاء دونهم في العدد بكثير لصعوبة الاشتغال في الفقه.
قال أبو محمد الرامهرمزي في"الفاصل": حدثنا الحسين بن نبهان حدثنا سهيل بن عثمان حدثنا حفص بن غياث عن أشعث بن أنس بن سيرين قال: أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمائة قد فقهوا. فانظر إلى الفرق الشاسع بين عدد حفاظ الحديث وبين الفقهاء والمجتهدين. وما ذلك إلا لأهمية الفقه وعلو مرتبته وصعوبة شرائطه.
كلمتان لا بد من استقصائهما:-
والآن فإن أبرز ما يبرز في بحثنا هذا هو كلمتا العلم والظن، ولنبدأ بكلمة الظن فنقول: