والنصوص- وهي ما وصلنا عن الله ورسوله من كتاب وسنة- فإنها إنما أنزلت عقيدة وتشريعًا، أي أنزلت أصولًا تنبثق عنه تشريعات وأحكام لتعالج مشاكل الإنسان وترعاه الرعاية الصحيحة. فالمحدثون والحفاظ إنما جدوا واجتهدوا وتحملوا المشاق وبذلوا الجهد الجهيد في سبيل تحصيل وتثبيت هذه النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتثبت منها وتنقيتها، كل ذلك من أجل استخراج الأحكام منها واستنباط الحلول للمشاكل.
فاللغة العربية والأصول والحديث والفقه علوم متصلة ببعضها مترابطة متماسكة، فالفقيه يحتاج إلى المحدث. والأصولي يحتاج إلى اللغة والحديث. والمحدث يحتاج إلى اللغة والأصول. فنتوصل بالتالي إلى التفقه في الدين واستخراج الأحكام التي تلزمنا في حياتنا العملية، ونستخلص الثمرة المنشودة والمقصودة للشارع، وهي الأحكام الشرعية العملية. وذلك بعد تثبيت العقيدة وتنقيتها وتصفيتها.
أما أن نقول هذا منحى نحاه الأصوليون، أو هذا قول علماء الكلام. أو نقول إن هذا أمر اشتط فيه علماء اللغة حتى أخرجوها عما وضعت له، فهذه الأقوال لا بد من إعادة النظر فيها لأن الأمر كما قلنا هو ترابط هذه العلوم ببعضها فلا ينفك أحدها عن الآخر حين البحث والاستنباط والتشريع والتفقه في الدين"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"اللهم فقهنا في ديننا وألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا.
والفقيه هو أعلى مرتبة في العلماء على الإطلاق. يقول الإمام أبو عبد الله الذهبي في كتابه تذكرة الحفاظ: إن أبا حنيفة لولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة، وعدم ظهور حديثه في الخارج لا يدل على عدم اعتنائه بالحديث كما زعمه بعض من يحسده وليس كما زعم. وإنما قلّت الرواية عنه وإن كان متسع الحفظ-لأمرين: