الضرب الثالث: التنبيه والإيماء. وهو فهم التعليل من إضافة الحكم إلى وصف مناسب. كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) (1) وقوله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (2) . فإنه كما فهم وجوب القطع والجلد على السارق والزاني وهو المنطوق به؛ فهم أيضا كون الزنا علة للحكم أي علة للقطع والجلد. والقاعدة الأصولية تقول:"تنزيل الحكم على المشتق يؤذن بعلّية مصدر الاشتقاق"فكلمة السارق اسم فاعل مشتق من المصدر وهو السرقة. وكلمة الزاني اسم فاعل مشتق من المصدر وهو الزنا. فصار المصدران السرقة والزنا علة للقطع والجلد. وكونه علة غير منطوق به ولكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام. وقوله تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (3) . أي: لِبرّهم وفجورهم. وكذلك كل ما خرج مخرج الذم أو المدح أو الترغيب أو الترهيب كما إذا قال: ذم الفاجر، وامدح المطيع. وعظّم العالم. فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به. وهذا قد يسمى إيماء وإشارة، كما يسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب. ولك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته.
الضرب الرابع: فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب للوالدين من قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) (4) وفهم تحريم إتلاف مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا...) (5) وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة وقد يسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب.
(1) المائدة / 38.
(2) النور /2.
(3) الانفطار / 13- 14.
(4) الإسراء/ 23 .
(5) النساء / 10 .