فهذا أبو حنيفة قد أفتى في ثلاث وثمانين ألف مسألة، وهذا أحمد بن حنبل أفتى بستين ألف مسألة يجيب عليها بقوله حدثني أو أخبرني. وهذا ابن حزم ألف أكثر من خمسمائة مؤلف بعضها يتكون من عشرات المجلدات. وهذا السيوطي وابن حجر العسقلاني وابن رشد وابن الهيثم وغيرهم العشرات، لا بل والمئات الذين لا يكادون يحصون. وهذه مكتبات أوروبا وأمريكا وروسيا وهذه متاحفها وخزائنها حافلة بالمخطوطات الإسلامية. ومن أراد الاستزادة والاستيضاح في ذلك فليرجع إلى كتاب"تاريخ الأدب العربي"لكارل بروكلمان، وكتاب"تاريخ التراث العربي"للأستاذ فؤاد سزكين، فهما شاهدان حاضران على عظمة هذا التراث الضخم، وصدق تلك الحضارة وصحتها وشمولها.
إن لكل علم من العلوم الشرعية وغيرها موضوعًا خاصًا به تنصبّ عليه بحوثه وتنحصر فيه اهتماماته، ومسائل تتفرع عنه وعوارض لاحقة به. فموضوع علم الفقه هو أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها. وأما مسائله فهي معرفة أحكامه من واجب وحرام ومندوب ومكروه ومباح. وموضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية والقواعد الموصلة إلى الفقه، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ومسائله هي: وجه دلالتها وكيفية الاستدلال وحال المستدل. وأما العوارض اللاحقة بها فهي كونها: عامة أو خاصة، مطلقة أو مقيدة، مجملة أو مبينة، ومنطوقها ومفهومها. وأما موضوع علم الحديث فهو: البحث في أنواع الحديث ومراتبها وسندها وحال رواتها والتثبت من نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.