الصفحة 10 من 169

فالقسم الأول -وهو النقل- قد اهتم به أرباب اللغة واضعو القواميس والمعاجم ومدونو الشعر والأمثال واستعمالات العرب لتلك اللغة، كما اهتم به جامعو الحديث ومدوّنو السنة، وكذلك اهتم به واضعو التواريخ والسير. كلهم واعتمدوا في ذلك طريقًا واحدًا هو الرواية والإسناد. فوضعوا لذلك شروطًا وقواعد اصطلحوا عليها وقعدوها فأصبحت مقياسًا لهم في طريقهم للنقل والتدوين.

أما القسم الثاني - وهو الدلالة- فقد اهتم به علماء الفقه وعلماء الأصول وعلماء التفسير، كما اهتم به النحويون والصرفيون والبلاغيون والقضاة، والمتشرعون والأدباء. ولكن هذا القسم - أعني المهتمين بالدلالة- كان لهم اتصال مباشر في عملهم هذا بالقسم الأول وهو النقل وشروطه وقواعده واصطلاحاته. فهما أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن الدلالة وما تفرع عنها من بحوث تعتمد على النقل أولًا، لأن النقل هذا بشروطه المقررة هو طريق الاستيثاق والقطع والجزم أو صحة الأخذ والعمل.

فالقرآن الكريم والعقيدة الإسلامية هما أصل بناء هذه الأمة، وبداية تاريخها ومنبع تشريعها ومركز انطلاقها ومصدر حضارتها وتقرير وجهة نظرها في الحياة، فبها تميزت وعرفت، وطبقت علومها الأرض، ونهلت منها الإنسانية، واعترفت بها الأمم فقدرتها حق قدرها. وهل يوجد في عالمنا اليوم - عصر الذرة وغزو الفضاء - من وضع مائة كتاب في موضوع واحد؟ ومن ألف خمسمائة كتاب في علوم متعددة؟ ومن أتقن أكثر من عشرين علمًا وألف فيها وحاضر وناقش؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت