وعندما نقل المسلمون - نتيجة فتوحاتهم الواسعة واتصالهم بغيرهم من الأمم الأخرى اتصالًا مباشرًا - نقلوا بعض العلوم الفلسفية، وضعوا أصول علم التوحيد"علم الكلام". ثم وجدت الفرق الكثيرة المتعددة، ووجد المبتدعون والزنادقة والملاحدة، فشمر المشمرون واجتهد المجتهدون، فأصلوا الأصول وقعدوا القواعد، وجمعوا وحققوا وناقشوا حتى أربَوا على الغاية وشارفوا اليفاع. فبرزت بذلك العلوم متكاملة متواصلة، واستقل كل علم بذاته، فوضع علم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم مصطلح الحديث، وعلم التفسير، وعلوم اللغة، كما وضع علم التاريخ والسير والطبقات، فتكاملت العلوم وبسقت وتعالت وازدهرت، ووجدت حضارة تامة كاملة لخير أمة أخرجت للناس، بل حضارة للإنسانية جمعاء، وعلى مر الدهور وكر العصور وإلى يومنا هذا وحتى يرث الله الأرض ومن عليها فهي محفوظة بحفظ القرآن (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (1) ، فها هي قائمة بين أيدينا وماثلة للعيان شاهدة على نفسها:
( لها منها عليها شواهد)
ويشهد لها القاصي والداني والعدو والصديق، تتحدى وتتحدى. لا ينكر فضلها ولا تخفى عظمتها، ولا يغض من قيمتها كثرة الأعداء من حولها، بل تزداد به شموخًا ورسوخًا، وعلوًا وتطاولًا، وثباتًا واستقرارًا.
إن كل ما قام به العلماء السابقون في كافة المجالات المذكورة آنفًا من بحوث لغوية وفقهية وأصولية، أو من علوم حديثية وتفسيرية وكلامية حتى وتاريخية، تعتمد على أمرين اثنين هما النقل والدلالة.
(1) الحجر/ 9.