لقد سألتني عن عظيم
6 -عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ»
ثُمَّ قَالَ:"أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ"قَالَ: ثُمَّ تَلَا {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} [السجدة:16] ،حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ» ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ»
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ» ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» ،فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» . [1]
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (5/ 12) (2616) صحيح لغيره
يرشدنا هذا الحديث إلى أن العمل الذي ينجى من النار ويدخل الجنة هو عبادة الله وحده دون من سواه مع القيام بما فرض الله على العبد من صلاة وزكاة وصوم وحج وأن الجامع لوجوه الخير صدقة التطوع والصوم والتهجد في جوف الليل، وأن رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وأعلاه الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وأن ملاك ذلك كله بأن يمسك الإنسان عن الكلام الذي يفسد هذه الأعمال إذا عملها. فليحذر كل مسلم إذا عمل أعمالا صالحة أن يطلق لسانه بما ينفعها أو يبطلها فيكون من أصحاب النار نعوذ بالله من النار وكلت غضب الجبار.
ما يرشد إليه الحديث:
(1) أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72] وأما حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (1) .
فالمراد أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، لولا أن الله جعله بفضله ورحمته سببا لذلك، والعمل نفسه من فضل الله ورحمته على عبده، فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته.
(2) أن التوفيق بيد الله عز وجل، فمن يسر عليه الهداية اهتدى. ومن لم ييسر عليه، لم ييسر له ذلك ..
(3) ترتب دخوله الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج ..
(4) فضل التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض.
(5) إن الصدقة تكفر بها السيئات.
(6) فضل الصلاة في جوف الليل.
(7) إن الإسلام من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا يبقى جسد بدون رأس فلا يصح دين إلا بالإسلام.
(8) إن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقام عليه الخيمة، فلا تستقيم الخيمة إلا به، فكذلك الصلاة لا يستقيم الإسلام إلا بالقيام بها.
(9) فضل الجهاد في سبيل الله وفضل الصوم وأنه جنة يقي صاحبه ويحفظه.
(10) أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك الذي هو أعظم الذنوب عند الله عز وجل، والقول على الله بغير علم، وهو قرين الشرك وشهادة الزور والسحر والقذف والغيبة والنميمة، وسائر المعاصي القولية. بل المعاصي الفعلية لا تخلو غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها.
(11) إن أكثر ما يكون سببا لدخول النار حصائد الألسن.
(12) جواز الدعاء المذموم الذي لا يراد حقيقته إذا كان معلوما عند المخاطب.
(13) شدة اهتمام معاذ رضي الله عنه بالأعمال الصالحة.
(14) الإنسان يسأل عن ما يريد ولو كان أمر عظيما.
(15) طالب العلم يسأل عما يخصه من الأسئلة النافعة، ولذلك الصحابي قال"اخبرني".
(16) السؤال يورد للعمل بالجواب ولذلك قال"أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار".
(17) المعلم ينبغي أن يمدح صاحب السؤال الجيد تشجيعًا له على سؤاله، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - لما سئل السؤال لقد سألت عن عظيم.
(18) المعلم يستعمل بعض الأساليب في تربيته مثل: - التشجيع"لقد سألت عن عظيم".- التشويق"وإنه ليسير على من يسره الله له"مع قوله قبل ذلك"عظيم".
(19) أهمية الحديث، ويظهر هذا من صيغة السؤال"أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار"ومن بداية الجواب"لقد سألت عن عظيم"ولذلك جعله الإمام النووي رحمه الله من الأحاديث الأربعين لأنه يجمع أصولًا عديدة.
(20) التوفيق كله بيد الله ومن عنده سبحانه يرزقه من يشاء ويمنعه ممن يشاء ولذلك قال"وإنه ليسير على من يسره الله له"وهذا يوجب الالتجاء إليه سبحانه وطلبها منه وبذل الوسع في ذلك.
(21) من فضائل أركان الإسلام أنها تدخل الجنة وتباعد عن النار. الخلاصة في شرح الأربعين النووية- علي بن نايف الشحود (ص: 99)