الصفحة 9 من 51

لقد اهتم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالحفاظ على الثقافة الإسلامية، والشخصية المسلمة بكل خصائصها وامتيازاتها، وخاصة عندما رأى من آثار اجتياح التتار للدول الإسلامية، وظهور اليهود والنصارى.. ولعل من القضايا المبكرة التي تنبه لها وأدرك خطرها، من الناحية الدينية والثقافية والسياسية والحضارية، قضية التقليد والمحاكاة، والتشبه بالكفار من اليهود والنصارى ومضاهاتهم، والانسلاك في منهجهم، والتتبع لسننهم، وما يؤدي إليه ذلك من الانحلال الثقافي، ونقض عُرى الإيمان، والضلال.. والمعروف نفسيًا وثقافيًا، أن شيوع تقليد الغالب، والتشبه به في لباسه وعاداته وأعياده ولغته، يورث تشاكلًا وتناسبًا، كما يورث مودّة وموالاة بين المتشابهين.

ولقد توقف رحمه الله عند قضية اعتماد العربية، لغة القرآن، وأهمية تعلمها والتزام النطق بها، وأنها من الدين، ودورها كوعاء للتفكير وأداة للتعبير، وإحدى وسائل التشكيل الثقافية، وبيّن موقف الصحابة من ذلك، الذي يتمثل في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إياكم ورطانة الأعاجم) ، فكان الصحابة يكرهون أن يتكلم المسلم بغير العربية، على وجه الاعتياد والدوام ولغير ضرورة، لأن اللغة الأجنبية بشكل عام، إذا لم تؤخذ بحذر ودقة، وبعد التحصين وبناء المرجعية، تصبح أحد معابر الغزو الثقافي، لأنها أداة تفكير وتغيير، وليست وسيلة تعبير فقط.

إن تشابه الظروف بين الحال التي نحن عليها، والواقع التاريخي الذي تعامل معه الإمام المجدد ابن تيمية رحمه الله، يجعل مدرسته في الإصلاح، ومنهجه في التغيير والتعامل مع الواقع في ضوء قيم الكتاب والسنة، هي الأولى بالدرس والتحليل، على الرغم من البُعد الزماني الذي يفصلنا عنه، والذي قد يتجاوز السبعة قرون، لأن أصول المشكلات الإنسانية واحدة، وإن اختلفت أعراضها وأحجامها وأشكالها من حين لآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت